السيرة العلمية
يُعدّ سيدي الحاج مالك سِي من كبار أعلام الطريقة الأحمدية التجانية في السنغال، ومن أبرز رجالاتها الذين جمعوا بين العلم، والتربية، والتأليف، والدعوة، ونشر الطريق. وقد كان له أثر بالغ في ترسيخ تعاليم الطريقة التجانية في بلاد السنغال، حتى أصبح اسمه مقترناً بمدينة تيواون اقتراناً وثيقاً.
هو سيدي الحاج مالك بن عثمان بن معاذ بن محمد بن علي بن يوسف الجلفي، وينحدر من سلالة التكرور، وهي من سلالات قبائل الفولان، ومجالها الرئيس هو حوض نهر السنغال، ولا سيما جهة مدينة سان لوي.
وُلِدَ في قرية غايا الواقعة غرب منطقة داغانا في شمال السنغال، ونشأ يتيماً، غير أن يتمه لم يحل دون تميزه المبكر في العلم. فقد كان والده عالماً كبيراً، وترك له مكتبة نفيسة حافلة بالكتب والمراجع والمخطوطات، فكان لذلك أثر ظاهر في تكوينه العلمي.
حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة في مسقط رأسه غايا، ثم تلقى العلوم الشرعية واللغوية والأدبية وغيرها على يد نخبة من كبار شيوخ بلده، كما تنقل بين عدد من المدن السنغالية طلباً للعلم، إلى أن تخرج وصار واحداً من كبار علماء السنغال على الإطلاق.
أما انتقاله إلى تيواون، فقد كان سببه أن وجهاء هذه الجهة وأعيانها كانوا يبحثون عن عالم متمكن في التفسير، يفسر لهم ولأبنائهم القرآن الكريم تفسيراً مضبوطاً على أصول العلم الصحيحة. فلما سمعوا بالحاج مالك ومكانته في العلم، قصدوه، وألحوا عليه أن ينتقل إليهم لتدريسهم العلوم، وعلى رأسها علم التفسير. فاستجاب لهم، وكان تاريخ قدومه إلى تيواون سنة 1318هـ / 1900م، فبدأ هناك فصل جديد من حياته العلمية والدعوية.
وكان سيدي الحاج مالك سِي غزير التأليف، وتكشف مصنفاته عن سعة علمه وتنوع معارفه في الفقه، والطريقة، واللغة، والأدب، والأحكام. ومن أشهر مؤلفاته:
خلاصة الذهب، على سيرة خير العرب
حزب اليماني، وغاية الأماني
قنطرة المريد
الكوكب المنير
ريّ الظمآن، بمولد سيد بني عدنان
فاكهة الطلاب
وسيلة المقرّبين
تبشير الإخوان
زجر القلوب
وسيلة المجرمين
وسيلة المنى
رسالة في ثبوت الصوم بالتلغراف
رسالة في الزكاة
رسالة في الرد على منكر الأسقم
رسالة في الرد على بعض المنكرين
وقد أخذ الطريقة التجانية عن خاله ألفا مايورُو، وكان هذا الأخير قد أخذها عن العلامة العارف بالله سيدي مولود فال اليعقوبي، ثم بعده عن القطب المجاهد الشهير سيدي الحاج عمر الفوتي. ومن هنا يتبين اتصال سنده في الطريقة بالسلسلة التجانية الكبرى في غرب إفريقيا. وقد انتشرت الطريقة على يديه انتشاراً واسعاً في السنغال وما جاورها.
توفي رحمه الله يوم السبت 5 ذي القعدة 1340هـ الموافق 30 يونيو 1922م بمدينة تيواون، ودُفن بها، ولا يزال ضريحه مقصوداً يتبرك به.
وقد أثنى عليه العلامة سيدي أحمد سكيرج ثناءً جميلاً، فقال في كتابه جناية المنتسب العاني، فيما نسبه بالكذب للشيخ التجاني إنه ممن كتب في هذه الطريقة فأجاد، ونظم فأفاد، ووصفه بأنه المقدم الكبير المرحوم السيد الحاج مالك بن عثمان، وأن مؤلفاته تشهد لمطالعها بأن صاحبها من كمل الرجال المفتوح عليهم، وممن يتبرك بهم في حياتهم وبعد وفاتهم، لما أسداه الله إليه من فضل.
كما نوه سكيرج بما قام به من التربية والسلوك ونفع البلاد والعباد، وأنه أخذ عنه خلق كثير الطريق الأحمدية، وشهدوا بما وجدوه من النفع على يديه، مع ما كان عليه من زهد فيما في أيدي الناس، وجد في العبادة، وإقبال على خدمة الخلق.
ومما قاله فيه أيضاً في نظم رحلته تاج الرؤوس، في التفسح بنواحي سوس:
إِنِّي لَأَشْكُرُهُ وَأَشْكُرُ مَالِكِي * فِي قُطْرِهِ بِتَزَايُدِ الإِحْسَانِالحَاجَّ مَالِكَ بْنَ عُثْمَانَ الرِّضَى * سِي فَهْوَ مَعَهُ لَدَا الثَّنَا سَيَّانِوَبَنُوهُ أَنْظُرْهُمْ بِعَيْنِ عِنَايَةٍ * وَشَمَلْتُهُمْ بِرِدَا الرِّضَى النُّورَانِي
ويُعدّ نظمه فاكهة الطلاب من أنفس المتون التي عنيت بفقه الطريقة التجانية، إذ جمع شروطها وواجباتها وقواعدها، حتى صار مرجعاً معتمداً في هذا الباب، لا سيما في بلاد السنغال وما جاورها. وقد أقبل عليه الإخوان بالحفظ والاستظهار، حتى استقر في صدورهم رسوخاً.
ومما يميز هذا النظم أنه تأثر بمنهج كتاب الرماح للعارف بالله سيدي عمر الفوتي، وسار على منواله في ترتيب الأبواب وبيان المسائل، فكان صورة واضحة لوفائه للمدرسة التجانية في بعدها العلمي والتربوي، وارتباطه العميق بسلسلة الغرب الإفريقي في هذه الطريقة الشريفة.
وهكذا يظهر أن سيدي الحاج مالك سِي كان عالماً مربياً، ومؤلفاً مصلحاً، وركناً من أركان الانتشار التجاني في السنغال، وأن أثره العلمي والروحي استمر بعد وفاته من خلال تلامذته، ومؤلفاته، ومركزه الروحي بمدينة تيواون.

