السيرة العلمية
يُعدّ العارف بالله العلّامة أبو عبد الله سيدي محمد بن محمد بن المشري الحسني السائحي السباعي من كبار أعلام الطريقة التجانية ومن أبرز تلامذة الشيخ أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه. جمع بين الفقه والحديث والسيرة والتصوف، واشتهر بسعة علمه، وقوة حفظه، وعلو مقامه في التربية والسلوك، كما خلّف عدداً من المؤلفات التي تحتل مكانة بارزة في التراث التيجاني.
مولده ونشأته
أبصر نور الحياة ببلدة تكرت من عمالة قسنطينة في شمال شرق الجزائر. ولا يُعرف تاريخ دقيق لسنة ولادته، غير أنه يُرجَّح أنه من مواليد منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بالنظر إلى كونه من جيل شيخه ومربيه سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه، ولم يكن يصغره إلا بسنوات قليلة.
وُلد في أسرة جليلة محافظة، تنتسب إلى أولاد السائح السباعيين، وكانت أسرة ذات مكانة مرموقة في محيطها، لما جمعته من الشرف النبوي والمكانة الروحية والعلمية المتوارثة. وقد هيأت له هذه البيئة تكويناً أصيلاً، ورسخت فيه منذ صغره معاني الصلاح والوقار والتقوى.
شخصيته وأخلاقه
عُرف سيدي محمد بن المشري بسمو أخلاقه وجمال شمائله. فقد كان كريم النفس، جليل الهيئة، عظيم الوقار، دائم البشر، ظاهر البهاء، ذا همة عالية وهيبة ظاهرة. وكان بعيداً عن التعلق بأهل الثراء والنفوذ، لا يلتفت إلى مظاهر الدنيا، شديد النفور من الغيبة والكذب، لا يرضى أن يُذكرا في مجلسه.
كما عُرف بصدقه في المودة، وحسن أخلاقه، وهدوء حديثه، ومحبة طلابه وأصدقائه، مع شجاعة ظاهرة في قول الحق، ونشاط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واحترام للكبير، وعطف على الصغير، ومعاملة حسنة تدل على صفاء سريرته وطهارة نفسه.
تكوينه العلمي
لا تتوفر تفاصيل كثيرة عن بدايات دراسته، غير أن المصادر تذكر أنه أوتي ذهناً ثاقباً وحافظة قوية، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وأتقنه على الوجه المطلوب. ثم واصل تحصيله العلمي باجتهاد كبير، حتى صار في مدة وجيزة من كبار علماء ناحيته.
وقد برع في مطالعة العلوم الدقيقة، من الحديث والفقه والنوازل والتوحيد والسيرة والتاريخ، حتى أصبح بحراً في الحفظ والفهم والاستحضار، واسع الاطلاع على المعقول والمنقول، وعلى مذاهب السلف والخلف.
وكان القسم الأكبر من تكوينه على يد شيخه أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه، الذي كان بالنسبة إليه المربي والمعلم والأستاذ والمرشد، ففتح له أبواب العلم والمعرفة، ورباه على دقائق السلوك والفضل.
لقاؤه بالشيخ أحمد التجاني
كان لقاؤه بالشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه سنة 1188هـ بمدينة تلمسان، حين كان الشيخ قافلاً من رحلته الحجازية المباركة. وخلال هذا اللقاء لقنه الشيخ أوراد الطريقة الخلوتية بسنده عن شيخه سيدي محمود الكردي، كما لقنه أذكاراً وأسراراً أخرى نفيسة.
ويُعدّ هذا اللقاء من أبرز المحطات في حياته، بل من أوائل الوقائع الكبرى في تاريخ الطريقة، إذ يُذكر أنه كان أول من لقي الشيخ أبا العباس التجاني من كبار أصحابه. وقد صرح هو نفسه بأن هذا اللقاء كان أهم تحول في حياته، وأنه به عرف تحقيق مسائل العلم الظاهر والباطن، ووقف على أحوال الأولياء وسيرهم.
مكانته لدى الشيخ التجاني
كان سيدي محمد بن المشري من أجلّ تلامذة الشيخ التجاني وأفاضل أصحابه وخدامه، وقد أبدى الشيخ نحوه عناية كبيرة ومحبة ظاهرة، لما رآه فيه من مؤهلات علمية وأخلاقية وروحية متميزة.
وكان الشيخ يُثني عليه في مجالسه، ويصفه بالعلم والفضل، بل اتخذه إماماً يصلي خلفه في الصلوات الخمس من سنة 1197هـ إلى سنة 1208هـ، وهي منقبة عظيمة تدل على سمو مكانته وقوة الثقة التي حظي بها عند شيخه.
كما رافق الشيخ في رحلته من الصحراء الشرقية إلى فاس، واستمرت صحبتهما زمناً طويلاً، حتى قيل إنهما بقيا في صحبة واحدة ستاً وثلاثين سنة، يجمعهما المجلس الواحد والمائدة الواحدة.
زهده وجوده
كان سيدي محمد بن المشري مثالاً في الزهد والتجرد والتوكل. لم يتزوج، ولم يبن منزلاً، ولم يدخر مالاً، وكان شديد الإعراض عن أهل السلطة والنفوذ. كما عُرف بكرمه الكبير، ومساعدته للمحتاجين، وإنفاقه في سبيل الله بسخاء، حتى صار مضرب المثل في الإيثار والجود.
وقد رويت عنه مواقف كثيرة في مواساة الفقراء وإغاثة المحتاجين، وكان يرى أن المال وسيلة للإحسان لا للاكتناز.
تصوفه وسلوكه
نشأ في أسرة ذات صلة وثيقة بالتصوف، فكان التصوف جزءاً أصيلاً من تكوينه منذ صغره. وقد أقبل على مطالعة كتب القوم، والبحث في دقائق السلوك، حتى جاء لقاؤه بالشيخ التجاني فكان الحجر الأساس في تكوينه الروحي.
ومنذ ذلك الحين انصرف إلى المجاهدات والخلوات، وأقبل على التزكية والتربية، حتى صار من كبار المفتوح عليهم في الطريقة التجانية، ومن أهل العلم والمعرفة والتحقيق.
سبب انتقاله من فاس إلى الصحراء الشرقية
غادر سيدي محمد بن المشري مدينة فاس إلى الصحراء الشرقية بأمر من شيخه سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه. وقد ربطت المصادر هذا الانتقال بأسباب باطنية تتعلق بمقامه الروحي وفتوحه في الطريق، لا بمجرد الأسباب الظاهرة التي تداولها بعض الناس.
وقد أشارت بعض نصوص الطريقة إلى أن بعض أصحاب الشيخ إذا فُتح عليهم لا يقيمون في البلد الذي يقيم فيه الشيخ، خشية ما يترتب على ذلك من أحوال خاصة، ولذلك جاء سفره في هذا السياق الروحي العميق.
مؤلفاته
خلّف سيدي محمد بن المشري عدداً من المؤلفات المهمة، من أبرزها:
الجامع لما افترق من درر العلوم، الفائضة من بحار القطب المكتوم
روض المحب الفاني، فيما تلقيناه من أبي العباس التجاني
نصرة الشرفاء، في الرد على أهل الجفاء
تقييد في صلاة الفاتح لما أُغلق
شرح ياقوتة المحتاج، في الصلاة على صاحب اللواء والتاج
وتعكس هذه المؤلفات عمق صلته بالشيخ التجاني، وسعة علمه، ومكانته في تدوين التراث العلمي والروحي للطريقة.
وفاته
ظل ملازماً لشيخه إلى السنة الأخيرة من عمره، ثم خرج نحو عين ماضي بالصحراء، لكنه لم يعش هناك إلا مدة قصيرة لم تتجاوز سنة تقريباً. وقد اشتد عليه ألم الفراق، وعانى من المرض وشدة الحنين إلى شيخه، حتى توفي يوم الاثنين فاتح ذي القعدة سنة 1224هـ.
وقد كان لوفاته وقع شديد في نفوس رجال الطريقة ومحبيها، وفي مقدمتهم شيخه سيدي أبو العباس أحمد التجاني رضي الله عنه، الذي بعث إلى أهله وذويه رسالة تعزية جليلة، تعبيراً عن مكانته الكبيرة ومحبة الشيخ له.
إرثه
ترك سيدي محمد بن المشري أثراً عميقاً في التراث التيجاني، علماً وسلوكاً ووفاءً. ويظل اسمه مرتبطاً بالصحبة الصادقة للشيخ التجاني، وبالتحقيق في علوم الشريعة والحقيقة، وبالزهد والكرم والإخلاص، مما جعله واحداً من أبرز رجالات الطريقة في تاريخها المبكر.



