ملف ببليوغرافي
الرحلة الحبيبية الوهرانية، الجامعة لِلَّطائف العرفانية
العلاقات العلمية
1 عناصر
الوصف
يُعَدُّ هذا الكتاب من الرحلات العلمية والأدبية والصوفية التي ألّفها خديم الحضرة التجانية سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج، وهو نص يجمع بين المشاهدة المباشرة، والتقييد التاريخي، والوصف الجغرافي، والتراجم، والفوائد الفقهية، والنفحات الروحية، ضمن بناء أدبي زاخر يكشف عن سعة ثقافة المؤلف، وقوة ذاكرته، وامتداد صلاته العلمية والروحية بين المغرب والغرب الجزائري.
وتكتسب هذه الرحلة أهمية خاصة من ظرفها الزمني، إذ زامنت سنة 1329هـ/1911م، أي في مرحلة دقيقة سبقت فرض الحماية الفرنسية على المغرب بمدة وجيزة. ومن ثم فإنها لا تُقرأ بوصفها مجرد انتقال من طنجة إلى وهران، بل بوصفها أيضاً شهادة على لحظة تاريخية مضطربة، وعلى صورة المجال المغاربي في مطلع القرن العشرين، بما فيه من تحولات سياسية، ووقائع اجتماعية، وحركة علمية وروحية نشطة.
وقد جاءت هذه الرحلة استجابةً لدعوات متكررة من العلامة سيدي الحبيب بن عبد المالك الوهراني، فخرج المؤلف من طنجة على متن الباخرة قاصداً وهران وما جاورها، ثم دوّن مشاهداته أولاً بأول، قبل أن يعود إلى تهذيب نصه وتنظيمه. وتزيد قيمة هذا العمل من جهة تاريخ النص نفسه، إذ إن مبيضته الأولى ضاعت في حادث سرقة، فقام المؤلف بإعادة كتابة الرحلة اعتماداً على ذاكرته القوية وبعض تقاييده، وهو ما يضفي على الكتاب بعداً توثيقياً وإنسانياً لافتاً.
ويبرز في هذه الرحلة حضورٌ قويّ لأدب الوصف، فقد وصف المؤلف المدن والموانئ والمساجد والأضرحة والقطارات والبواخر والضباب والأسواق والعمارة وصفاً حياً، حتى غدا النص سجلاً أدبياً لمظاهر حضارية وطبيعية ومجالية متعددة في وهران وتلمسان وسيدي بلعباس ومستغانم وغيرها. كما أن الكتاب يضيء جوانب اقتصادية وعمرانية واجتماعية، بما يجعله مصدراً مهماً للباحثين في الجغرافيا التاريخية والأدب الرحلي المغاربي.
ولا يقل الجانب الأدبي أهمية عن سائر الجوانب، فالكتاب يشتمل على مادة شعرية غنية جداً، تضم إحدى وأربعين قصيدة، إلى جانب مقطعات وشواهد كثيرة، بما يزيد في مجموعه على 1190 بيتاً. وتتنوع هذه الأشعار في البحور والقوافي والأغراض بين الوصف، والمدح، والرثاء، والحكمة، والاستجازة، وتكشف عن الحس الأدبي الرفيع للمؤلف، وعن استعماله الشعر بوصفه أداةً للتوثيق، وحفظ التجربة، وإبراز الأثر الوجداني للرحلة.
كما يتجلى في النص حضور صوفي واضح، ليس فقط في عنوانه ولغته، بل في بنية النظر إلى الأمكنة والأشخاص والوقائع. فالرحلة مشبعة بمصطلحات أهل الطريق، ومبنية على رؤية تجمع بين العلم والذوق، وبين التوثيق والفيض الروحي. ولهذا تندرج بوضوح ضمن تراث الطريقة التجانية، كما تمثل مثالاً بارزاً على تداخل التصوف مع أدب الرحلات في البيئة المغربية.
ومن الجوانب المهمة أيضاً ما تتضمنه الرحلة من مباحث فقهية ومستجدات علمية، حيث تعرض المؤلف لمسائل مثل التصوير الفوتوغرافي، وزكاة بعض المزروعات والمواد، وبعض أحكام الذكاة والطيب، إلى جانب قضايا تتصل بالتقليد والدليل. وهذا يبيّن أن الرحلة ليست نصاً أدبياً صرفاً، بل هي أيضاً وعاءٌ للبحث العلمي والتقييد الفقهي.
ويضاف إلى ذلك كثرة التراجم الواردة فيها، إذ ضمّن المؤلف أسماء ما يزيد على سبعين شخصاً ممن اجتمع بهم في المدن التي زارها، من علماء وأدباء وشرفاء وقضاة ومقدمين ومريدين، ثم ألحق بها مادة تكميلية تتعلق ببعض مريدي الطريقة التجانية في وهران وتلمسان. وبهذا يصبح الكتاب وثيقة غنية لدراسة الشبكات العلمية والروحية للطريقة في المغرب والجزائر، كما يفيد الباحثين في Moroccan Sufism، وأدب الرحلة، والتراجم، وTijani scholarly networks.