Skiredj Library of Tijani Studies
ومن جملة المؤلفات المهمة التي كُتبت دفاعًا عن التراث التيجاني كتابُ «قافية اللآلي في الردّ على المدعو تقيّ الدين الهلالي» (قافية اللؤلؤ: ردٌّ على المسمّى تقيّ الدين الهلالي).
ويحتلّ هذا العملُ مكانةً خاصة في التاريخ الفكري لطريقة التيجاني. فهو ليس نصًّا جدليًّا فحسب، بل هو أيضًا وثيقةٌ تاريخية تُلقي الضوء على حقيقةٍ كثيرًا ما يُغفَل عنها: وهي العلاقةُ الطويلة التي كانت قائمةً فيما مضى بين تقيّ الدين الهلالي والطريقة التيجانية قبل مفارقته لها لاحقًا.
ويُوضّح الكتابُ هذه الحادثة ويضعها في سياقها الصحيح، اعتمادًا على وثائق ورسائل وشهاداتٍ حفظها علماءُ الطريقة.
المرحلة التيجانية غير المعروفة لتقيّ الدين الهلالي
ومن الحقائق التي لا يعرفها كثيرٌ من الناس أنّ تقيّ الدين الهلالي نفسه التزم الطريقة التيجانية سنة 1332هـ (1913م).
وخلال تلك الفترة كان يُداوم أوراد الطريقة التيجانية ويظلّ ملتزمًا بممارساتها الروحية اثنتي عشرة سنة. واستمرّ التزامُه إلى نحو سنة 1344هـ (1925م)، ثم انسحب من الطريقة في نهاية المطاف.
ولا تزال اليوم محفوظةً وثائقُ عديدة تتصل بتلك المرحلة. ومنها رسائلُه الشخصية، وملاحظاتُه، وسجلاتٌ مرتبطة بالطريقة التيجانية وبمشاركته فيها. وتوفّر هذه الموادُّ دليلًا تاريخيًّا واضحًا على انخراطه السابق.
قصائدُ في مدح الشيخ أحمد التيجاني
ولعلّ الأغرب من ذلك أنّ تقيّ الدين الهلالي نظم قصائدَ كثيرةً في مدح الشيخ أحمد التيجاني مؤسِّس الطريقة التيجانية.
وقد كُتبت هذه القصائد في الزمن الذي كان فيه لا يزال منتسبًا إلى الطريقة. وفي المجموع تُنسَب إليه من تلك الفترة قرابةُ عشرين قصيدة في مدح الشيخ أحمد التيجاني.
وتُظهر هذه الأبياتُ الإعجابَ العميق الذي كان يُعبِّر عنه آنذاك تجاه الشيخ والطريق الروحي الذي كان يسلكه.
ثم أدّت وقائعُ لاحقة إلى أن يترك ذلك الانتساب. غير أنّ القصائد تظلّ شهادةً تاريخية على موقفه السابق.
مثالٌ شعريّ من سنة 1920
ومن هذه القصائد قصيدةٌ لافتة كُتبت في أواخر ربيع الآخر سنة 1339هـ (1920م).
وفي هذه القصيدة يمدح الهلالي الشيخ أحمد التيجاني بعباراتٍ قويةٍ بليغة.
وتبدأ القصيدة بهذه الأبيات:
يا أخي، فِداكَ روحي — هل تُصغيإلى مناقبِ عالمٍ تشتاقُ الأسماعُ أن تسمعها؟
مناقبُ سيّدٍ أغنى بحرُه البلادَ،وإليه يرجعُ كلُّ ضربٍ من الجمال.
مناقبُ سيّدٍ لا تُحصى عطاياه،ولا نظيرَ له في السخاء.XXXXX
ويمضي في وصف الأثر الروحي للشيخ:
مناقبُ سيّدٍ عمَّ خيرُه الشرقَ
وكذلك الغربَ — جامعًا كلَّ خُلُقٍ كريم.
مناقبُ سيّدٍ بشموسِه أشرقت آياتُ
دينِ الله إشراقًا بيّنًا.
مناقبُ من حقيقتُه كغيثٍ مُحيٍ،
تستمدّ منه جميعُ الخلائق على الأرض قِوامَها.
ثم يذكر الشيخَ تصريحًا:
ذاك أبو العبّاس أحمد، الذي انتشر نورُه في كلّ مكان،
شمسَ هدايةٍ من صفاءٍ وإشراق.
إمامٌ علا قدرُه فوق السماوات،
يضع قدمَيه فوق أكتاف الجميع.
وتُختَتم القصيدةُ بأبياتٍ من التواضع والتعبّد موجَّهة إلى الشيخ:
يا خاتمَ جميعِ الولاية، ارحم —
عبدُك قائمٌ على بابك يقرع.
إلى بابك الكريم أرفع شكواي،
ووجهي شاحبٌ من التذلّل والافتقار.
غدوةً وعشيّةً أقيم في فناء دارك،
أرجو منك نظرةً واحدةً تكفيني.
أنت عونٌ عظيمٌ لله —
متى دعاك المكروبون أجبت.
وعندك دواءٌ لكلّ أذى،
به يجد الطالبُ المتألّم شفاءه.
وما يلتمسُ خائفٌ جوارك
إلا وجد أمنًا وكرامة.
ثم يختم بالصلاة على النبي محمد، وعلى آله وصحبه.
عِبرةٌ تاريخيّة مُستفادة من هذه الأبيات
إن مؤلّف «قافية اللآلي» يستشهد بهذه الأبيات لا بوصفها شاهدًا أدبيًّا فحسب، بل بوصفها أيضًا تأمّلًا تاريخيًّا.
فهي تُبيّن كيف أنّ شخصًا كان قد مدح الشيخ والطريقة التجانية بمثل تلك العبارات القوية، ثم ما لبث أن تخلّى بعد ذلك عن ذلك الموقف. وتصلح هذه الواقعة تذكرةً بهشاشة أحوال البشر، وبالحاجة إلى الثبات الروحي.
ولهذا يستحضر المؤلّف خاطرًا مألوفًا: كم من شمعةٍ أطفأتها الريح.
وإنما قُصد من العبرة أن تحثّ القرّاء على التأمّل، ليثبتوا على ما تلقّوه.
«قافية اللآلي» بوصفها دفاعًا علميًّا عن التقليد التجاني
ومن ثمّ تؤدّي «قافية اللآلي» وظيفتين مهمّتين.
أولاهما: الردّ على الانتقادات الموجَّهة إلى الطريقة التجانية، بعرض الشواهد التاريخية والبيان النصّي.
وثانيتهما: حفظُ وثائق مهمّة تتصل بالتاريخ الفكري للتقليد التجاني في القرن العشرين.
ومن خلال عرض الرسائل والقصائد والسجلات التاريخية، يُسهم هذا العمل في فهمٍ أوضح للجدالات التي دارت حول الطريقة، وللشخصيات التي انخرطت فيها.
لماذا يهمّ هذا الكتاب للباحثين في الطريقة التجانية
ولدارسي تاريخ الفكر الإسلامي، تُعدّ «قافية اللآلي» نافعةً لا بوصفها كتابَ ردٍّ فحسب، بل بوصفها أيضًا سجلًا وثائقيًّا.
فهي تُظهر أنّ النقاشات حول التصوّف والطرق الروحية لم تكن مجرد منازعاتٍ لاهوتية مجرّدة، بل كانت تتشكّل أيضًا بالأسفار الشخصية والانتماءات والتحوّلات.
وقضية تقيّ الدين الهلالي مثالٌ لافت على كيف يمكن لشخصيةٍ ما أن تنتقل من الإعجاب والثناء إلى المعارضة، مخلّفةً نصوصًا تكشف المراحل المختلفة لذلك المسار.
عملٌ في التوثيق والتأمّل
وفي نهاية المطاف، تتجلّى أهمية «قافية اللآلي» في الجمع بين التحقيق العلمي والذاكرة التاريخية التي يصونها.
إنه يدوّن واقعةً يجهلها كثيرٌ من القرّاء. ويعرض الأدلّة عبر الوثائق والشعر. ويدعو إلى التأمّل في أهمية الوفاء والتواضع والاتّساق في الطريق الروحي.
ولكلّ من يهتم بتاريخ الطريقة التجانية وجدالاتها الفكرية، يظل هذا الكتاب مرجعًا مهمًّا.
++++++