21‏/3‏/20265 دقيقة قراءةFR

المقالة 44

Skiredj Library of Tijani Studies

صلاة الفاتح مشروحة: دفاعٌ علميّ من سيدي أحمد السكيرج

باسم الله الرحمن الرحيم. وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

من أكثر الأوراد تداولًا والجدل حولها في الطريقة التيجانية: صلاة الفاتح، وهي الصلاة المشهورة على النبي محمد. ومع مرور الزمن ظهرت سوءُ فهومٍ واتّهاماتٌ تتعلّق بأصلها ومعناها وثوابها. ومن أدقّ الردود العلمية تفصيلًا على هذه الدعاوى ما صدر عن العلّامة المغربي التيجاني الكبير سيدي أحمد بن العياشي السكّيرج، في كتابه «الإيمان الصحيح».

تشرح هذه المقالة أصول دفاعه عن صلاة الفاتح، وتُبيّن معناها العقدي بحسب أصول أهل السنّة الكلاسيكية وتعاليم التقليد التيجاني.

ما هي صلاة الفاتح؟

صلاة الفاتح صيغةٌ من صيغ الصلاة على النبي محمد، ونصّها:

اللهم صلّ على سيّدنا محمد،

الفاتحِ لما أُغلِق،

والخاتمِ لما سبق،

وناصرِ الحقّ بالحقّ،

والهادي إلى صراطك المستقيم،

وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم.

وفي الطريقة التيجانية تحتلّ هذه الصلاة مكانةً خاصّة بين أوراد الذكر. غير أنّها في أصلها صلاةٌ على النبي، والصلاة عليه عملٌ حثّ عليه القرآن حثًّا شديدًا:

«إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».

(القرآن 33:56)

النقد التاريخي الموجَّه ضد صلاة الفاتح

زعم بعض النقّاد أنّ أتباع الطريقة التيجانية يعتقدون أنّ صلاة الفاتح جزءٌ من الكلام الأزلي لله، وأنّ ثوابها لا يُعطى إلا لمن يعتقد ذلك.

وقد ردّ سيدي أحمد السكّيرج هذه التهمة ردًّا قويًّا، وأجاب عنها بتفصيل. وبيّن أنّ هذه الانتقادات ناشئةٌ عن سوء فهمٍ لمصطلحات التصوّف من جهة، ولسُنّة أهل السنّة في باب الكلام الإلهي والإلهام من جهة أخرى.

فهم الكلام الإلهي في عقيدة أهل السنّة

من العناصر المحورية في دفاع السكّيرج: بيانُ حقيقة الكلام الإلهي.

تقرّر عقيدة أهل السنّة أنّ:

الله موصوفٌ بالكلام أزلًا.

والقرآن جزءٌ من كلام الله.

غير أنّ كلام الله ليس محصورًا في القرآن وحده.

فالقرآن مظهرٌ من مظاهر الكلام الإلهي، لكن صفة الكلام لله أزليةٌ غير مقيّدة. كما تقرّر كتب العقيدة الكلاسيكية أنّ الله سيكلّم عباده في الآخرة، ممّا يثبت أنّ الكلام الإلهي متجدّدٌ جارٍ.

وعليه، يجادل السكّيرج بأنّ الإقرار بأنّ عبارةً ما أو إلهامًا ما صادرٌ عن الكلام الإلهي لا يعني أنّه قرآن، ولا يستلزم النبوّة.

الإلهام ليس وحيًا

ومن الفروق المهمّة التي أكّدها السكّيرج: الفرقُ بين:

الوحي إلى الأنبياء، الذي خُتم بالنبي محمد

والإلهام إلى الأولياء، الذي يستمرّ

فإنّ التقليد الإسلامي يقرّ على نطاقٍ واسع أنّ الصالحين قد يُرزقون إلهامًا، أو بصيرةً روحية، أو رؤيا صادقة.

وهذا المعنى ماثلٌ في تاريخ التصوّف كلّه؛ فقد نقل كبار الأولياء تجاربَ في نوعٍ من التواصل الروحي، سواء عبر الرؤى أو الإلهام الباطني. وهذه التجارب لا تُعدّ وحيًا، ولا تزيد في القرآن ولا في الشريعة الإسلامية شيئًا.

ولذلك يوضّح السكّيرج أنّ فهمَ صلاة الفاتح على أنّها جاءت بطريق الإلهام الروحي لا يناقض العقيدة الإسلامية.

أمثلة من تاريخ التصوّف

ولتقرير هذا الأصل يحيل السكّيرج إلى أعلامٍ معروفين في الروحانية الإسلامية.

فمثلًا: إنّ أبا الحسن الشاذلي، وهو شيخٌ صوفيّ جليل محلّ احترامٍ واسع، ضمّن في أحد أدعيته المشهورة سؤالَ الله رؤيةً مقرونةً بالمخاطبة. ولو كان مثل هذا التواصل الروحي ممتنعًا لما تكلّم الأولياء عنه ولا التمسوه.

كما أنّ الأخبار عن صالحين نالوا إرشادًا في المنام أو في أحوالٍ من الإشراق والبصيرة الروحية كثيرةٌ في كتب التراث الإسلامي. وتُفهم هذه التجارب على أنّها من جملة كرم الله لعباده.

صلاة الفاتح ومسألة الأصل الإلهي

بحسب السكّيرج، يصف بعض علماء التقليد التيجاني صلاةَ الفاتح بأنّ أصلها من عالم الغيب. ومعنى ذلك أنّها تُفهم على أنّها نوعٌ من الفيض الإلهي أُعطي بطريق الإلهام، لا على أنّها تأليفٌ بشري.

إلا أنّه يشدّد على نقاطٍ أساسية عدّة:

ليست قرآنًا.

وليست وحيًا نبويًّا.

ولا تُدخل حكمًا شرعيًّا جديدًا.

وإنما هي صيغةُ صلاةٍ على النبي، على نحو ما نُقل عبر التاريخ الإسلامي من صيغٍ كثيرة من الدعاء والصلاة عليه.

وفهمُها على هذا الوجه لا ينتقص من جلال الله، ولا يخالف أصلًا من أصول اعتقاد أهل السنّة.

لماذا ينال بعض الناس نفعًا أعظم

ومن وجوه سوء الفهم التي يعالجها السكّيرج: ظنُّ أنّ ثواب صلاة الفاتح يتوقّف على الاعتقاد.

وهو يبيّن أنّه في الممارسة الصوفية تتفاوت وجوهُ الذكر في مراتب النفع الروحي. وذلك يتعلّق بعوامل مثل:

الإخلاص

الفهم

النيّةXXXXX

الاستعداد الروحي

لقد علَّم علماء السلوك منذ زمن بعيد أنّ الأسرار الأعمق للذِّكر لا يختبرها حقًّا إلا من يَقْدُم عليها بفهمٍ صحيحٍ وانضباطٍ.

وهذا لا يُبطل الذِّكرَ نفسَه. وإنما يفسّر لماذا يختبر بعض الأفراد آثارًا روحية أعمق من غيرهم.

أهمية الإجازة في الممارسة الصوفية

في كثير من التقاليد الصوفية، تُنقَل بعضُ الأوراد بإجازةٍ من الشيخ. وليس ذلك تقييدًا للذِّكر في ذاته، بل هو طريقةٌ لضمان الفهم الصحيح والاستعداد الروحي.

يشرح اسكريدج أنّ النور الروحي يجري عبر السَّند والتوجيه. ولهذا السبب شدّد كثير من العلماء على تعلُّم الأوراد ضمن طريقٍ روحيٍّ مُنَظَّم.

وهذا المبدأ موجودٌ في كثير من العلوم الإسلامية، بما في ذلك تلاوة القرآن ونقل الحديث.

النية الكامنة وراء تلاوة صلاة الفاتح

ومفهومٌ مهمٌّ آخر يناقشه اسكريدج هو النية الكامنة وراء الصلاة.

فعند تلاوة صلاة الفاتح، يُقِرُّ المؤمن بعجزه عن الثناء على النبي محمدٍ ثناءً يليق به. فتصير الصلاةُ لذلك طلبًا أن يتولّى اللهُ تعالى بنفسه الصلاةَ على النبي بالصلوة الكاملة التي لا يهبها إلا هو.

وبهذا المعنى تعكس الصلاةُ تواضعًا وإقرارًا بالكمال الإلهي.

المعنى الروحي للصلاة

يكمن المعنى الأعمق لصلاة الفاتح في إقرارها بالنبي محمدٍ بوصفه:

فاتحَ الهداية

وخاتمَ النبوّة

ومدافعَ الحق

وهادِيَ الصراط المستقيم

وإن إرسال الصلاة عليه يقوّي المحبة للنبي ويزيد الصلة الروحية بالاقتداء به.

مكانة صلاة الفاتح في التعبّد الإسلامي

وفي نهاية المطاف، تنتمي صلاة الفاتح إلى التقليد الأوسع للصلاة على النبي، وهو عملٌ مُستحَبٌّ على وجه العموم في الإسلام.

وقد استخدم المسلمون عبر التاريخ صيغًا كثيرة لهذا الغرض. وكلُّ صيغةٍ منها تعكس تعبّدًا وشكرًا ومحبةً لرسول الله.

ومن هذا المنظور، ليست صلاة الفاتح إلا واحدةً من تعبيراتٍ كثيرة عن هذا التعبّد.

الخاتمة

إنّ الدفاع الذي قدّمه سيدي أحمد اسكريدج يُظهر أنّ الجدل حول صلاة الفاتح قائمٌ إلى حدٍّ كبير على سوء الفهم.

وبحسب شرحه:

فإنّ الصلاة لا تزعم أنها قرآن.

ولا تزعم أنها وحيٌ نبوي.

ولا تُدخِل شريعةً دينيةً جديدة.

وإنما تمثّل صيغةً روحيةً للصلاة على النبي، تُفهم ضمن إطار الإلهام الصوفي وعلم الكلام السنيّ الكلاسيكي.

وعندما يُقبَل عليها بعلمٍ وإنصاف، تبدو صلاة الفاتح لا باعتبارها مشكلةً عقدية، بل جزءًا من تقليدٍ ثريٍّ في التعبّد للنبي محمدٍ قد وُجد عبر التاريخ الإسلامي.

نسأل الله أن يزيدنا محبةً لرسوله وأن يرزقنا الإخلاص في الصلاة عليه.

+++++