Skiredj Library of Tijani Studies
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد: سألني أحدُ الإخوانِ الأحمديينَ عمَّا جاءَ مِنْ قوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لسيدِنَا الشيْخِ رضي الله عنه: قُلْ لِأَصْحَابِكَ لَا يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَإِنَّهُ يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهِمْ.
أقولُ لهَذَا الأخِ اعلَمْ أنَّ سيدَنَا الشيخَ رضي الله تعالى عنه ذكَرَ في شأْنِ طريقتِهِ الأحمديَةِ كثيرًا مِنَ الفضائلِ والمحامدِ والمزايَا التي لا تُوجَدُ في طريقَةٍ صوفيةٍ أخرى، خصوصًا بمِثْلِ ما لَهَا مِنَ الكَمِّ والكيْفِ، فالمَكْرُمَاتُ في طريقتِنَا التجانيةِ حدِّثْ فيهَا عَنْ البحْرِ ولا حرَجْ، وقَدْ قُمْتُ مرةً رفقَةَ الفقيهِ المقدمِ المرحومِ سيدي لحسَنْ الفطواكي الدمناتِي بإحصاءِ هذا النوْعِ مِنَ المقالَاتِ، فوجَدْنَاهَا تزِيدُ على المائَةِ بكثِيرٍ. وهَذَا إِنْ دَلَّ على شيْءٍ فإِنَّمَا يدُلُّ على تَرَقِّي مريدِي هذِهِ الطريقةِ في بحْرِ المحبوبيَةِ عندَ اللهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، وهو بحْرٌ عظيمٌ، المُلْتَحِقُ بهِ يلْتَحِقُ بدرجَةٍ عاليةٍ مِنَ الحرْمَةِ والذمَّةِ والأمنِ والأمانِ، بَلْ يصِيرُ لعظِيمِ حرْمَتِهِ فِي درجَةِ الأبنَاءِ لدى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومِنْ هذا القبيلِ مَا حصَلَ للصحابيِّ الجليلِ سيدِنَا سلْمَانَ الفارِسِي، وقَوْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حقِّهِ: سَلْمَانٌ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، وأيضا الخليفَةُ المعظمُ سيدي الحاجْ علي حرازمْ، المنتمي لأُسْرَةِ برادةْ، وهي أسرةٌ فاسيةٌ لا علاقةَ لها بالنسَبِ النبويِّ الشريفِ، لكِنَّ سيدَنَا الشَّيْخَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هذا الخليفَةَ مَحَبَّةً خَاصَّةً تَفُوقُ مَحَبَّةَ الأَوْلَادِ.... فالذِي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ أَنَّ درجةَ المحبوبيَةِ التي ينعَمُ بها الإخوانُ الأحمديونَ الكرَامُ والتِي عَبَّرَ عنْهَا سيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه مِنْ خلَالِ مقالَاتِهِ الكثيرَةِ في هذا الصدَدِ هِيَ التي وَرَاءَ هذِهِ الحرْمَةِ العظيمةِ المتناهيَةِ في الرفعةِ والسمُوِّ والشرَفِ وغيرِهِ.
وبالتَّالِي فمَنْ حَلَّ في هذِهِ المرتبَةِ مِنَ القُرْبِ والدُنُوِّ فهُوَ مِنْ أوليَاءِ اللهِ تعالى الكرامِ، وكُلُّنَا نعْرِفُ ما جاءَ في الحديثِ الصحيحِ حوْلَ ساداتِنَا الأوليَاءِ، والَّذِي رواهُ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ،
وهذِهِ المقالةُ التي وَقَعَ السؤَالُ عنْهَا وهِيَ قوْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لسيدِنَا الشيْخِ رضي الله عنه: قُلْ لِأَصْحَابِكَ لَا يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَإِنَّهُ يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهِمْ، هذِهِ المقالَةُ تدْخُل بدَوْرِهَا في هَذَا الإطَارِ، اعتبارًا لعُلُوِّ مقامَاتِ ساداتِنَا مريدِي هذه الطريقةِ، وشمُوخِ مراتبهِمْ، وشرَفِ منازلِهِمْ، وارتفَاعِ درجاتهِمْ، وبهَذَا يتَّضِحُ أنَّ هؤلاء السادَاتِ الأحمديينَ الكرامَ لا يَحِقُّ لهُمْ الدخولُ فيما بينَهُمْ في شِجَارٍ وتصَادُمٍ وخصامٍ ومشَاكَسَةٍ، لِمَا في ذلك من انْتِهَاكٍ لحرمَتِهِمْ التي هِيَ مِنْ حرمَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وخلاصةُ القوْلِ فكثيرَةٌ هِيَ المقالاتُ التي أفصَحَ فيها سيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه عَنْ مزَايَا وفضائِلِ طريقتِهِ ومريدِيهِ، أمَّا هذِهِ المقالَةُ الأخيرَةُ فهي بمثابَةِ التحذيرِ مِنْ مغَبَّةِ الوقوعِ في المحذُورِ، وهُوَ إذايَةُ المُريدِ لإخوانِهِ، سواءً عن طريقِ الغَيْبَةِ والنميمةِ والبغضِ والحسدِ والكراهيةِ والمقْتِ والضغينَةِ والغِلِّ والشِّقَاقِ وما إلى ذلك من هذِهِ الصفاتِ المذمومة
قال العلامةُ سيدي محمد العربي بن السائح في كتابِهِ بغيةِ المستفيد، لشرحِ منيةِ المريد حوْلَ هذا الموضوعِ: وَأَمَّا الفَضِيلَةُ الخَامِسَةُ : وَهِيَ أَنَّهُ يَسُوءُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَسُوءُ أَهْلَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. فَهِيَ مِنَ المُتَوَاتِرِ عَنْ سَيِّدِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضاً. وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُنَاقَضَةٌ تُوجِبُ مُجَافَاةً، فَأَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: قَالَ لِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِأَصْحَابِكَ لَا يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَإِنَّهُ يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهِمْ.
عُمُومًا فهذِهِ المقالَةُ تُفِيدُ أَنَّ إِذَايَتَكَ لأخيكِ المريدِ فيها إذايةٌ صريحَةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولَا يختَلِفُ اثنانِ أَنَّ مُؤْذِي الرسولِ صلى الله عليه وسلم ملعونٌ، وَالمَلْعُونُ هُوَ المَطْرُودُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. قال اللهُ تعالى في سورةِ الأحزاب: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا.
وقد ذكرَ صاحبُ بغيةِ المستفيدِ أيضًا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ خَاصَّةِ أَصْحَابِ الشيخِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، من المَشْهُودِ لَهُ بِالفَتْحِ، كَانَا معًا في سفَرٍ إلى بلادِ الحجازِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شيءٌ مِنَ الشنَآنِ، فَأَسَاءَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِمَا تَغَيَّرَ بَاطِنُهُ عَلَيْهِ، فحَصَلَ أنَّهُمَا مَرَّ في الطريقِ بِبِئْرٍ، وكانَ الجوُّ حارًا، وقد أَضَرَّ العطشُ بالناسِ والإبلِ، فَنَزَلَ الرجلُ الَّذِي كَانَتْ صَدَرَتْ مِنْهُ الإسَاءَةٌ لِصَاحِبِهِ إِلَى البِئْرِ، مِنْ طَرِيقٍ مُنْحَدِرٍ ضيِّقٍ يكْفِي شخصًا واحدًا لا غيْرَ، وَإِذَا بجَمَلٍ مِنْ وَرَاءِهِ قَدْ تَوَهَّمَ أَثَرَ المَاءِ، فَأَسْرَعَ إِلَى ذلك البِئْرِ للشُرْبِ، وَحَمْلُهُ فوقَ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ المريدُ رَأْسَهُ. وأيقَنَ بالهلاكِ، وعَلِمَ أَنَّ الجَمَلَ لا محالَةَ سيَدُوسُهُ بأقدامِهِ، ورُبَّمَا سيَسْقُطُ فوْقَ رأْسِهِ. فاستَغَاثَ بسيدِنَا الشيخِ أبي العباسِ التجاني، فإذا بِهِ رضي اللهُ تعالى عنه بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَمَلِ عَنْ طريقِ خرْقِ العادَةِ، فَرَدَّهُ عَنْهُ. ثُمَّ أقبَلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ عَلَى هذا المريدِ وَقَالَ لَهُ «اللَّهَ فِي أَصْحَابِي» يعني: أَتُؤْذِي أَصْحَابِي؟
ثُمَّ غَابَ عَنْهُ، فَعَرَفَ هذا المريدُ أَنَّهُ إِنَّمَا حصَلَ لَهُ ما حَصَلَ مِنْ جِهَةِ إِسَاءَتِهِ إِلَى أخيهِ المريدِ الآخَرِ. فذَهَبَ إليه على الفَوْرِ، وطلَبَ منه المسامحَةَ، وترَاضَيَا معًا.
عمومًا فليحذَرِ المريدُ الصادِقُ مِنَ الدخولِ في الشحنَاءِ معَ أخيهِ المريدِ، فَإِنْ حَصَلَ بينهما نزاعٌ فَيَجِبُ أَلَّا يَذْكُرَ صَاحِبَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَلَا يَزِيدُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الهَجْرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِحَدِيثِ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ.
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، يَقُولُ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا.