Skiredj Library of Tijani Studies
سيدي أحمد بن العياشي السكريج: سيرة موسوعية شاملة للعالِم التجاني الشهير
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كان سيدي أحمد بن العياشي السكريج أحدَ أبرز علماء المغرب في العصر الحديث، وإحدى الشخصيات الفكرية والروحية الكبرى في الطريقة التجانية. كان قاضياً، وفقيهاً، وأديباً، ومؤرخاً، وشاعراً، وشيخاً صوفياً، ومؤلفاً غزير الإنتاج؛ وما يزال تراثه يُشكِّل ملامح الدرس التجاني إلى يومنا هذا. وقد جمعت حياته بين العلم، والتربية الروحية، والخدمة العامة، والتألّق الأدبي، والتفاني الثابت في الذبّ عن التقليد التجاني ونقله وتوريثه.
تقدّم هذه السيرة الموسوعية تعريفاً كاملاً بنَسَبه، وأسرته، ونشأته، وتعليمه، ومسيرته، والتزامه بالطريقة التجانية، ومؤلفاته، وتلامذته، وأبنائه، وإرثه الباقي.
من هو سيدي أحمد السكريج؟
كان سيدي أحمد بن العياشي السكريج عالِماً مغربياً كبيراً عاش بين 1295هـ/ 1878م و1363هـ/ 1944م. وُلد بفاس، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والنُّبل، وتلقّى العلم على أيدي كبار علماء القرويين، ثم تولّى بعد ذلك عدداً من المناصب القضائية والإدارية المهمة في أنحاء المغرب.
وأصبح من أكثر علماء الطريقة التجانية تأثيراً، لا بمجرد التزامه الشخصي وتكوينه الروحي فحسب، بل أيضاً بإنتاجه الأدبي الهائل. فقد ألّف أكثر من مئتي مصنَّف في الفقه، والأدب، والتصوف، والتاريخ، والتراجم، والعقيدة، والشعر، والعقيدة التجانية. كما غدا من أبرز المدافعين عن الطريقة التجانية في وجه سوء الفهم، والتحريف، والهجوم.
شرف النسب وأصول الأسرة
ترجع أسرة السكريج بأصولها إلى الأندلس، ومنها هاجرت واستقرّت بالمغرب في القرن العاشر الهجري. ويرتبط اسم الأسرة بمنطقة «شكيرج» قرب غرناطة. ووفقاً لما تتناقله ذاكرة الأسرة، فإن الاسم يشير إلى جبل بارد كان الثلج يبقى عليه طوال العام.
ومع مرور الزمن، انتشرت الأسرة في كبريات المدن المغربية مثل الرباط، وفاس، وطنجة، وتطوان، حيث اشتهرت بالعلم والوقار وخدمة الشأن العام، وبالثقة التي كان يوليها لها ملوك المغرب. وقد تولّى أفراد منها مناصب محترمة، وأُسندت إليهم مسؤوليات دينية وإدارية كبرى، من جملتها الإشراف على مؤسسات روحية مهمة.
ويرجع نسب آل السكريج إلى الأنصار، تحديداً إلى قبيلة الخزرج، وعلى وجه أدق إلى الصحابي الجليل حسان بن ثابت، شاعر النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وكان لهذا النسب دلالة عميقة عند الأسرة؛ إذ كانت ترى فيه إرثاً عربياً وميراثاً أدبياً متصلاً بالفصاحة والولاء وخدمة الإسلام.
كما حفظت الأسرة روايات عن بركة خاصة اتصلت بهم من خلال دعاء مرويّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما نقله سيدي أحمد السكريج في أحد مؤلفاته. وكانت الأسرة تعدّ ذلك علامةَ تشريف، ومبعثَ شكرٍ لله تعالى.
أسرة علماء ورجال دولة وخدمة
أنجبت أسرة السكريج عبر الأجيال عدداً كبيراً من ذوي الشأن. ومن الأعلام البارزين المذكورين في تراثها:
محمد بن الطيب السكريج، شاعرٌ وكاتبٌ ووزيرٌ خدم السلطان سيدي محمد بن عبد الله.
الزبير بن عبد الوهاب السكريج، مهندسٌ تدرّب في إنجلترا، ثم خدم المغرب في أدوار دبلوماسية وعسكرية، وأسهم في مشاريع وطنية.
عبد السلام بن أحمد السكريج، فقيهٌ ومؤرخٌ ألّف تاريخاً معتبراً لتطوان.
المكي بن البرنوسي السكريج، الذي أُسندت إليه قيادة الجيش المغربي بعد هزيمة تطوان.
تساعد هذه الخلفية على تفسير البيئة التي نشأ فيها سيدي أحمد السكريج؛ فلم يخرج من بيتٍ عادي، بل من أسرةٍ قد تجذّرت فيها معاني الدين والخدمة والتهذيب والمسؤولية العامة.
جدّه ووالداه
جدّه
كان جدّ سيدي أحمد السكريج من معاصري الشيخ أحمد التجاني، غير أنه كان صغير السن فلم يتلقَّ عنه مباشرة. وبعد وفاة الشيخ أخذ الوِرد عن كبار مقدّمي الطريقة المأذونين. وعُرف بالتعبّد والذكر والمواظبة على الصلاة. ويُروى أنه كان يقرأ «صلاة الفاتح» أكثرَ من ثلاثة آلاف مرة يومياً إلى أن توفاه الله.
والده: الحاج العياشي السكريج
ذُكر والده الحاج العياشي السكريج بوصفه رجلاً تقيّاً شجاعاً مستقيماً. وقد قاتل ببسالة في حرب تطوان، واحتفظ ببندقيته بعد ذلك بوصفها أثراً عزيزاً لتلك الخدمة. وكان معروفاً أيضاً بالمواظبة على تلاوة «دلائل الخيرات»، وبواقعةٍ روحية رأى فيها خاتم النبوة. وفي أواخر عمره ظل ملازماً للصلاة والذكر والعبادة حتى توفاه الله سنة 1328هـ.
والدته: السيدة فروح التازي
كانت والدته السيدة فروح التازي مشهورة بالتقوى والطهارة والصدقة وحسن الضيافة وطيب الخلق والعناية الدقيقة بالتربية الأخلاقية لأبنائها. وكانت مواظبة على الصلاة والذكر، متحليةً بالعفة والسخاء والخدمة. وقد تركت وفاتها سنة 1345هـ أثراً بالغاً في ابنها، فرثاها بشعرٍ صادقٍ أبان عن عمق محبته ولوعة حزنه.
إخوة سيدي أحمد السكريج
كان سيدي أحمد السكريج من أسرة كبيرة نشيطة. ومن إخوته:
1. سيدي محمد السكريج، المعروف بسيدي محمد اللَّبّان
لُقّب باللَّبّان لامتهانه تجارة الألبان. توفي قرب فاس في 28 أكتوبر 1934، ودُفن بمقبرة جبل زعفران. وقد أُثني عليه لاحقاً في مرثيةٍ لشجاعته ونزاهته.
2. سيدي محمد حمّاد بن الحاج العياشي السكريج
درس بفاس، وعمل كاتباً لوزراء مغاربة، وألّف عدة أعمال، منها تاريخٌ متعدد الأجزاء لمدينة طنجة، وكتب أخرى في التاريخ المغربي. وكان معروفاً أيضاً برؤى منوّرة للنبي صلى الله عليه وسلم. توفي سنة 1965، ودُفن في ضريح سيدي بوعراقية بطنجة.
3. عبد الوهاب السكريج
برع في التجارة، ومثّل شركة أمريكية، وأدخل آلات الخياطة والتطريز إلى المغرب. وكان شديد التعلّق بالطريقة التجانية، وتوفي سنة 1927 عن عمر يناهز ستةً وأربعين عاماً.
4. محمد السكريج
توفي شاباً بعد مرضٍ قصير سنة 1324هـ. وخلّف مخطوطاً بعنوان «الجواهر الثمينة»، يضم نصائح وتعاليم لأهل عصره.
5. عبد الخالق السكريج
ساعد أخاه أحمد في إدارة الأوقاف بفاس. وكان مخلصاً للطريقة التجانية، وتوفي سنة 1943، في السنوات العصيبة التي وسمتها النتائج الأوسع للحرب العالمية الثانية.
6. عبد الرحمن السكريج
وُلد بفاس سنة 1898، فدرس القرآن، ثم تعلم الفرنسية إبان فترة الحماية، وأقام مدةً بطنجة، ثم استأنف الدراسة بالقرويين، وعمل مع أخيه في إدارة الأوقاف. كما شارك في بعثة دبلوماسية ترأسها سيدي أحمد. ثم اشتغل لاحقاً في الصحة العمومية والعقار، وحقق نجاحاً خاصاً بمدينة سطات، حتى سُمّي شارعٌ باسمه في ما بعد تقديراً لخدمته وكرمه.
الميلاد والنشأةXXXXX
وُلِدَ سيدي أحمد السكيرج بفاس في أواسط ربيع الآخر سنة 1295هـ، الموافق لأبريل 1878م. ونشأ في إحدى البيوتات العلمية الكبرى بالمغرب، محاطًا برجال الدين والأدب والتاريخ. وقد ترك هذا الجو أثرًا عميقًا في شخصيته وتكوينه.
أشرف والده على تعليمه الأولي وأولاه عناية خاصة لما اتصف به من ذكاء وفطنة وبوادر نبوغ. ومنذ سن مبكرة وُجِّه إلى علوم الدين واللغة، ثم مضى يَبرع في العلوم التي كانت تُدرَّس بجامع القرويين، ذلك المركز العلمي الشهير بفاس.
التعليم والتكوين الفكري
درس سيدي أحمد السكيرج على نخبة من العلماء المرتبطين بالقرويين. ومن الشيوخ المذكورين في تكوينه:
عبد الله البدراوي
عبد الملك العلوي
الحبيب الداوودي
وقد برع في طائفة واسعة من العلوم، منها:
علوم القرآن
الحديث
السيرة النبوية
الفقه
النحو
اللغة
العَروض
الأدب
الشعر
التصوف
ويساعد هذا التكوين الواسع على تفسير تنوّع مؤلفاته اللاحقة. فلم يكن مجرد متخصص في فن واحد، بل كان على المثال الكلاسيكي للعالِم الذي يَجمع علمه بين الشريعة واللغة والروحانية والأدب والتاريخ معًا.
شخصيته
قدّم الذين وصفوا سيدي أحمد السكيرج صورة رجلٍ ذي توازنٍ لافت. وكان معروفًا بـ:
التقوى والعبادة
التواضع
الشكر والقناعة
الصدق والجدية الخُلُقية
الشجاعة في نصرة ما يعتقد أنه الحق
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لين القول
دعابة مهذّبة
قوة باطنة
ابتسامة تُخفي ألمًا
لم يكن يميل إلى إظهار النفس، ولا إلى الكِبر أو التكلّف. وحتى المرض لم يمنعه من خدمة الدين والمجتمع والوطن. فقد كان يعاني من داء السكري، ومع ذلك واصل عمله وتدريسه بثبات ومثابرة.
الزواج والحياة الأسرية
تزوّج سيدي أحمد السكيرج أكثر من مرة.
كان زواجه الأول سنة 1902 من فاطمة بنت سيدي المكي بن شكْرون. ورُزقا ابنًا هو عبد الكريم. وقد اقترنت الولادة بمشقة، إذ اشتدّ عليه المرض، وابتُليت زوجته بصعوبات كبيرة أثناء المخاض.
وفي سنة 1909 انتقل إلى طنجة للعمل بدار النيابة، غير أنه لم ينسجم مع أجواء المدينة، فغادرها بعد مدة قصيرة.
وفي سنة 1910 تزوّج مرة أخرى بتطوان من ابنة عمه. ورُزق من هذا الزواج ابنًا اسمه محمد، غير أن الزواج انتهى لاحقًا بالطلاق بطلب من أبيها.
أبناؤه
خلّف سيدي أحمد السكيرج ثلاثة أبناء:
عبد الكريم بن أحمد السكيرج
وُلِد سنة 1322هـ بفاس، وكان معروفًا بالإخلاص والكرم وحسن الدعابة والوقار ورهافة الذوق الفني. ولأنه كان يسافر مع والده عبر المغرب، تلقّى تعليمًا مصقولًا في العربية والفرنسية، ونشأت لديه محبة للفن والخط. وتوفي بالدار البيضاء سنة 1403هـ عن عمر إحدى وثمانين سنة، وخلّف تسعة أبناء.
محمد بن أحمد السكيرج
وُلِد بتطوان سنة 1329هـ، ونشأ في كنف جده الزبير السكيرج. حفظ القرآن وبرع في علوم اللغة قبل أن يدرس الطب بغرناطة. ثم مارس الطب بتطوان وكتب مؤلفات طبية، منها كتب في الطفولة وداء السكري. وتوفي سنة 1421هـ وخلّف ولدين.
مريم بنت أحمد السكيرج
وُلِدت بالجديدة سنة 1346هـ، وكانت أصغر الأبناء والبنت الوحيدة. تزوجت محمد الكبير الكلاوي وعاشت بالرباط إلى وفاتها سنة 1436هـ. وذُكرت بالتقوى والتواضع والكرم والإخلاص للقيم الإسلامية. وخلّفت خمسة أبناء.
العمل في الوظائف العمومية والخدمة القضائية
لم يبقَ سيدي أحمد السكيرج حبيس الكتب والعبادة الخاصة. بل تولّى كذلك عدة مناصب رسمية مهمة، منها:
ناظر الأوقاف بفاس الجديد
قاضي وجدة
عضو بالمحكمة العليا بالرباط
قاضي الجديدة
قاضي سطات
وكان قد عمل أيضًا من قبل كاتبًا لباشا طنجة.
وفي سنة 1919 عُيِّن قاضيًا بوجدة، لكنه طلب لاحقًا الإعفاء من تلك الخطة لأنه شعر بأن الحق والفضيلة لا يجدان ما ينبغي لهما من النصرة. ثم تنقّل في مناصب أخرى، منها الخدمة بالرباط والجديدة وسطات. وظل قاضيًا بسطات إلى قبيل نهاية حياته.
وتُظهر هذه الأدوار العامة أنه كان عالم زاوية، وفي الوقت نفسه رجلًا منخرطًا في الإدارة العملية للعدل وشؤون الجماعة.
أسفاره ومهامه الدبلوماسية
قام سيدي أحمد السكيرج كذلك برحلات مهمة، صار بعضها موضوعًا لكتاباته.
ومن أشهرها:
الرحلة إلى مكناس
وفيها لقي مولاي عبد الرحمن بن زيدان، ثم دوّن الرحلة في «الرحلة الزيدانية».
الرحلة إلى وهران
سافر إلى وهران بدعوة من صديقه سيدي الحبيب بن عبد الملك، ووثّقها في «الرحلة الحبيبّية الوهرانية».
الرحلة مع سيدي محمود التيجاني
رافق سيدي محمود التيجاني، وهو من ذرية الشيخ أحمد التيجاني، في رحلة عبر عدة مدن مغربية. ثم كتب عنها «غاية المقصود بالرحلة مع سيدي محمود».
المهمة الحجازية
اختارته الحكومة المغربية لتمثيلها في مهمة لتهنئة الملك حسين باستقلال الحجاز. وقد سجل هذه الرحلة في «الرحلة الحجازية».
وتكشف هذه الرحلات جانبًا آخر من شخصيته: فهو لم يكن عالمًا متجذرًا في فاس فحسب، بل كان أيضًا راصدًا للمجتمع، وأديبًا، ومشاركًا في شبكات دينية وسياسية أوسع.XXXXX
دخوله في الطريقة التيجانية
تعود جذور تعلّق سيدي أحمد سكّيرج بالطريقة التيجانية إلى طفولته. كان يرافق جدَّه سيدي عبد الرحمن سكّيرج إلى صلاة المغرب وإلى تلاوة الوظيفة في الزاوية الكبرى بفاس. وبعد وفاة جدّه سنة 1311هـ، واصل زيارة الزاوية مع أبيه. وعلى هذا النحو نشأ لا في محيط العلماء فحسب، بل في بيئة تيجانية حيّة نابضة.
ودخل الطريقة التيجانية دخولًا رسميًّا سنة 1315هـ، وهو ابن عشرين سنة، على يد سيدي محمد كنون.
ثم جدّد التزامه لاحقًا مع كبار العلماء مثل:
مولاي عبد المالك العلوي
مولاي عبد الله البدراوي
وفي سنة 1316هـ، نال إجازة عامّة من الشريف مولاي أحمد العبدلاوي، وهو من أهم الشخصيات في تفتّحه الروحي. تلقّى عنه تعاليم وأسرارًا وتوجيهًا عميقًا. ونشأت أيضًا بينه وبين ابن العبدلاوي، سيدي محمد، رابطة قوية من المحبة الروحية والأخوّة.
السلسلة الذهبية للإسناد
تُعرَف سلسلة سيدي أحمد سكّيرج الروحية في الطريقة التيجانية باسم السلسلة الذهبية، لسموّ إسنادها وعلوّ طريقها. وبحسب المادة المقدَّمة، فإنها توصله بالشيخ أحمد التيجاني عبر:
سيدي الحاج علي التماسيني
سيدي أحمد العبدلاوي
وقد منحت هذه السلسلة الرفيعة الموقَّرة لإجازته وزنًا خاصًّا في الأوساط التيجانية، ورسّخت علمه في خطّ إسناد معترف به.
أولى مصنّفاته الكبرى في الطريقة التيجانية
في سنة 1318هـ، ألّف سيدي أحمد سكّيرج واحدًا من أقدم كتبه الكبرى في الطريقة التيجانية:
الكوكب الوهّاج لتوضيح المنهاج
النجم المتألّق لتبيين الطريق
ثم أتبع ذلك بـ:
كشف الحجاب
رفع الحجاب
أسهمت هذه المؤلفات في تثبيت شهرته بين العلماء والمتصوّفة. ومنذ ذلك الحين ذاع صيته على نطاق واسع بوصفه واحدًا من كبار الأصوات الأدبية والمدافعين العقديين عن الطريقة التيجانية.
محبته للطريقة التيجانية
لم تكن علاقة سيدي أحمد سكّيرج بالطريقة التيجانية علاقة جافّة أو علمية محضة. بل كانت مفعمة بحبّ شديد، ووفاء، وتعبّد شعري. وقد كتب قصائد لا تُحصى في الثناء على:
الزاوية الكبرى بفاس
زوايا سلا وتطوان وتلمسان
الطريقة نفسها
ومشايخها
وفوق ذلك كلّه الشيخ أبو العباس أحمد التيجاني
بل نظَم أبياتًا على جدران الزاوية الكبرى بفاس. وكان نتاجه الأدبي في مدح الطريقة التيجانية ومؤسسها عظيمًا جدًّا، ومن الأعمال المذكورة في هذا الباب:
النفحات الربانية في الأمداح التيجانية
حياة القلب الفاني في مدح القطب التيجاني
وكان هذا التنسّك الشعري أحد المعالم الفارقة في علمه.
دفاعه عن التصوف والطريقة التيجانية
كان سيدي أحمد سكّيرج من أبرز المدافعين عن الطريقة التيجانية في عصره. واجه الخصوم في حلقات المساجد وعن طريق التأليف، وصنّف كتبًا كثيرة في ردّ الاعتراضات وتوضيح تعاليم الطريقة.
ومن الأعمال المذكورة ضمن هذا الدفاع:
قرة العين
السر الرباني
عقد المرجان
الصراط المستقيم
الإيمان الصحيح
كشف البلوى
الحجارة المُقْتِيَة
وكان دفاعه قائمًا على اليقين، والعلم، والإخلاص. وكان يراه جزءًا من حفظ الإسلام الأصيل وصيانة الأجيال القادمة من التُّهَم الباطلة والالتباس.
شيوخه وتلامذته
تشكّل سيدي أحمد سكّيرج على أيدي شيوخ كثيرين، ولا سيما في فاس وضمن البيئة التيجانية. وكما ذُكر آنفًا، كان من شيوخه كبار علماء القرويين وأقطاب الطريقة، وعلى رأسهم مولاي أحمد العبدلاوي.
كما صار هو بدوره شيخًا لكثير من الطلاب الذين ورثوا عنه العلم والانضباط والثقافة الأدبية والمعرفة التيجانية. وتؤكد المادة المصدرية أن عددًا كبيرًا من المريدين تخرّجوا على يده وحملوا حكمته وعلمه. وهكذا امتد أثره التعليمي إلى ما وراء الكتب ليبلغ الإسناد الحيّ.
آثاره وإرثه الأدبي
كان سيدي أحمد سكّيرج مؤلفًا غزير الإنتاج على نحو استثنائي. وتذكر المادة أنه كتب أكثر من مئتي مؤلَّف في مجالات عديدة. وتتناول كتبه وكتاباته:
الفقه
الرسائل والآداب
التصوف
العقيدة التيجانية
التاريخ
السير والتراجم
الشعر
أدب الرحلة
الإرشاد الروحي
الأجوبة عن الاستفتاءات العلمية
الفتاوى
وصارت رسائله وفتاواه مراجع مهمة للسالكين والعلماء وأتباع الطريقة التيجانية. وقد كُتب كثير من مصنفاته جوابًا عن أسئلة واقعية وردت من مريدين ورجال علم، مما أكسبها قيمة عملية إلى جانب قيمتها الأدبية والروحية.
وكان مشهورًا أيضًا بالشعر، واستعمل النظم لا على أنه زينة فحسب، بل بوصفه وعاءً للتعليم والمدح والدفاع والذكر والتأريخ للسير.
أسلوبه ومزاجه بوصفه مؤلفًا
جمع سيدي أحمد سكّيرج بين خصال نادرة متعددة:
سعة العلم
قوة الحفظ
أناقة الأسلوب
الوعي التاريخي
التزام المصادر
الحدس الروحي
والقدرة على الكتابة في فنون شتى
فكان عالمًا وأديبًا معًا. يكتب في الفقه، والتراجم، وأدب الرحلات، وشرح العقائد، والشعر التعبدي، والدفاع الجدلي، بالقوة نفسها. وتفسّر هذه المرونة لماذا ظل اسمًا بالغ الأهمية في تاريخ الفكر المغربي والتيجاني.
سنواته الأخيرة ووفاته
واصل سيدي أحمد سكّيرج الخدمة في منصبه القضائي، والكتابة، والتدريس، والدفاع عن الدين على الرغم من المرض.XXXXX
لم يمنعه داءُ السُّكّري من مواصلة عمله ولا من حمل أعباء الخدمة.
وتوفّي سنة 1363هـ / 1944م، بمراكش، بعد حياةٍ حافلة بالعلم والعبادة وخدمة الشأن العام. وبحلول وقت وفاته كان قد غدا أحدَ أكثر الشخصيات توقيرًا في العلم التيجاني بالمغرب.
إرثُه الباقي
لا يزال إرثُ سيدي أحمد بن العيّاشي سكّيرج حيًّا لأسبابٍ عدّة.
أولًا، ما تزال كتبه تُعدّ مراجعَ أساسية للطريقة التيجانية.
ثانيًا، تمثّل سيرته نموذجَ العالِم الذي يجمع بين العلم الظاهر، والتهذيب الباطن، والصقل الأدبي، والمسؤولية المؤسسية.
ثالثًا، ترك دفاعُه عن التصوّف والتقليد التيجاني أثرًا باقيا في الأجيال اللاحقة.
رابعًا، تحفظ كتاباته كنزًا واسعًا من المعلومات عن العلم المغربي، والروحانية، والتاريخ.
وأخيرًا، تظلّ حياتُه تُلهِم من يبتغي الجمعَ بين التقوى والعلم، وبين الاشتغال بالعلم وخدمة الناس.
لماذا لا يزال سيدي أحمد سكّيرج مهمًّا اليوم
لكلّ من يبحث في:
سيرة سيدي أحمد سكّيرج
العلماء التيجانيون في المغرب
الأدب الصوفي المغربي
تاريخ الطريقة التيجانية
علماء القرويين
كتب سيدي أحمد بن العيّاشي سكّيرج
فإنه يظلّ شخصيةً لا غنى عنها.
وهو لا يقف بوصفه عالمًا في الطريقة التيجانية فحسب، بل هو أيضًا أحد كبار المثقفين المغاربة في عصره. إنّ خلفيتَه الأسرية، وتكوينَه العلمي، وسلسلتَه الروحية، وخدمتَه القضائية، وقوّتَه الأدبية، وإرثَه الكتابي الضخم—كلّ ذلك يجعله شخصيةً موسوعية بحقّ في تاريخ العلم الإسلامي.
خاتمة
كان سيدي أحمد بن العيّاشي سكّيرج قاضيًا مغربيًا كبيرًا، وعالِمًا، وشاعرًا، ومؤرّخًا، ومرشدًا روحيا كرّس حياته للعلم والخدمة وصون الطريقة التيجانية. وُلِد بفاس سنة 1878، وتشكّل في كنف أسرةٍ شريفة وعلى أيدي علماء القرويين،
والتزم مبكرًا بالطريقة التيجانية، ووُكِل إليه تولّي أدوارٍ عامة كبرى، فأنتج مؤلَّفاتٍ ما تزال تُنير السبيل للطلبة والمريدين.
أكسبه نسبُه شرفًا، وأكسبته دراستُه تمكّنًا، وأكسبته طريقتُه وجهةً، وأكسبته كتاباتُه بقاءً. ومن خلال كتبه، وقصائده، وفتاواه، ورسائله، وخدمتِه العامة، يظلّ حضورًا حيًّا في التراثين الفكري والروحي للمغرب، وفي العالم التيجاني الأوسع.
رحمه الله تعالى، ورفع درجته، وأجزل له المثوبة على خدمته للدين والعلم وأهل الطريقة التيجانية.