السيرة العلمية
يُعدّ العلّامة الولي الصالح سيدي محمد العربي بن محمد بن السائح الشرقاوي العمري من كبار علماء المغرب في القرن التاسع عشر، ومن أشهر رجالات الطريقة الأحمدية التجانية. جمع بين الفقه والحديث والتفسير والأدب والتصوف، وكان له مقام علمي وروحي بارز، كما ترك عدداً من المؤلفات التي عكست سعة معارفه وعمق تكوينه.
مولده ونشأته
وُلد سيدي محمد العربي بن السائح بمدينة مكناس الزيتون فجر يوم عيد الأضحى سنة 1229هـ الموافق 22 نونبر 1814م. وكان والده سيدي محمد بن السائح قد بلغ من العمر ستة وسبعين سنة حين وُلد له، ثم توفي عن ستة وتسعين سنة، تاركاً ابنه دون العشرين من عمره، وكان ابنه الذكر الوحيد له.
وتذكر الروايات أن والده كان كثير التضرع إلى الله أن يرزقه ولداً ذكراً يرث علمه وفضله، وقد بشّره بعض كبار علماء مكناس بذلك، فكان مولد سيدي محمد العربي موضع عناية خاصة منذ نشأته.
تكوينه العلمي
أخذ العلم عن جماعة من كبار علماء المغرب في عصره، ومن أبرزهم:
الوليد العراقي الحسيني
عبد القادر الكوهن
الهادي بن الشافعي المكناسي، المعروف ببادّو
وغيرهم من أعلام العلم بالمغرب
وقد اشتهر بتمكنه في الفقه والحديث والتفسير والأدب، إلى جانب مكانته المرموقة في التصوف والتربية الروحية.
مؤلفاته
خلّف سيدي محمد العربي بن السائح مؤلفات عديدة في مجالات متنوعة، منها الشرح والتفسير والأذكار والسيرة والمديح النبوي. ومن أبرز كتبه:
بغية المستفيد لشرح منية المريد
شرح لامية البوصيري
شرح صلاة الفاتح لما أُغلق
تعليق على الهمزية
تعليق على بردة المديح للبوصيري
شرح القصيدة الخزرجية
تعليق على الشمائل الترمذية
طرر على شرح النووي على الأربعين النووية
تفسير قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
كتاب السعادة الأبدية في الأذكار التيجانية الأحمدية
رحلة عجيبة
وعدة ختمات لصحيح الإمام البخاري
وتبرز هذه المؤلفات مكانته في العلوم الشرعية والحديثية، كما تعكس صلته الوثيقة بالمديح النبوي والأوراد التيجانية.
انخراطه في الطريقة التيجانية
كان سيدي محمد العربي بن السائح من كبار أعلام الطريقة الأحمدية التجانية بالمغرب. وترتبط بدايات أخذه للطريقة بتجربة روحية خاصة، إذ ورد أنه كان شديد التعلق بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم طلباً لرؤيته في المنام، ثم رأى في إحدى الليالي والده في رؤيا قاده فيها إلى مجلس من مجالس أصحاب الشيخ التجاني، وأشار إليه بأن طريق رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته إنما يكون هناك.
كما نُقل عنه أنه اجتمع بعدد كبير من الذين لقوا الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه، وكانوا يجلّونه ويعتبرونه من بشائر الشيخ وكراماته.
مكانته العلمية والروحية
جمع بين العلم الظاهر والذوق الروحي، فكان فقيهاً محدثاً مفسراً وأديباً وصوفياً. وقد عُرف بمجالسه الحديثية والعلمية، وكان له أثر كبير في نشر العلم والتربية الروحية، مما جعله من الشخصيات البارزة في المشهد الديني المغربي في عصره.
وفاته
توفي رحمه الله ليلة الأحد في الساعة الحادية عشرة، يوم 29 رجب 1309هـ الموافق 28 فبراير 1892م.
وقد صلى عليه بالمسجد الأعظم بالرباط العلّامة القاضي سيدي أحمد بناني الرباطي، ودُفن في رياضه الفائح، وهو الموضع الذي كان يجلس فيه لإلقاء مجالسه الحديثية.
إرثه
ترك سيدي محمد العربي بن السائح أثراً علمياً وروحياً كبيراً في المغرب، وظل اسمه مرتبطاً بالعلم والولاية والتربية والتصوف. كما ظل من أبرز الشخصيات التي حفظت للطريقة التجانية حضورها العلمي والروحي في البلاد.

