السيرة العلمية
يُعدّ العلّامة العارف سيدي محمد العربي بن إدريس بن محمد بن العربي بن عمر العلمي اللحياني من كبار أعلام فاس ومن أبرز رجالات الطريقة الأحمدية التجانية في القرن الثالث عشر الهجري. جمع بين التكوين العلمي المتين، والحفظ والإقراء، والتربية الروحية، فكان من أهل العلم والتحقيق ومن الشخصيات التي تركت أثراً واضحاً في محيطها العلمي والصوفي.
مولده ونشأته
وُلد رضي الله عنه سنة 1226هـ / 1811م بمدينة فاس، في دار أسرته الكائنة بـ درب الطويل، بالقرب من زاوية الشيخ العلامة سيدي محمد بن الحسن بناني، محشي الزرقاني.
نشأ في هذه البيئة العلمية والروحية، وتربى في أجواء فاسية أصيلة، ثم حفظ القرآن الكريم حفظاً جيداً بالقراءات السبع على يد العلامة الأستاذ سيدي إدريس بن عبد الله الودغيري، الملقب بـ البكراوي.
تكوينه العلمي
بعد حفظه للقرآن، ولج جامع القرويين، حيث أخذ العلم عن عدد من كبار فقهاء فاس وأعلامها. ومن أشهر شيوخه:
سيدي محمد بدر الدين الحمومي
سيدي محمد الأمين الزيزي الحسني العلوي
أبو الحسن علي التسولي
أبو الحسن علال المريني
سيدي محمد بن عبد الرحمن الفيلالي الحجرتي
سيدي محمد الطالب بن الحاج
سيدي أحمد بناني كلا
سيدي الطالب بن عبد الرحمن السراج
سيدي إدريس بن عبد الله البكراوي
سيدي أبي بكر بن كيران
وقد تلقى عن هؤلاء العلماء تكويناً راسخاً في علوم القرآن والفقه واللغة وسائر العلوم التي كانت مزدهرة في القرويين، مما أهله ليكون من كبار علماء عصره.
انخراطه في الطريقة التيجانية
كان سيدي محمد العربي العلمي من كبار أعلام الطريقة التجانية، وقد أخذها عن عدد من كبار مقدميها وأعلامها، في سلسلة علمية وروحية رفيعة.
فقد أخذها أولاً عن المقدم الجليل سيدي أبي يعزى بن الخليفة الواسطة سيدي الحاج علي حرازم برادة، وأجازه فيها إجازة حافلة.
ثم أجيز فيها ثانية من الشريف البركة سيدي محمد الغالي أبو طالب بتاريخ عشية يوم الأحد 17 جمادى الثانية سنة 1240هـ.
ثم أجيز فيها ثالثة من القطب الشهير سيدي الحاج علي التماسيني، وكان ذلك بأمر من سيدي محمد الحبيب نجل الشيخ أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه، الذي كتب له بنفسه تقديماً خاصاً، وقيّد له أن يقدّم خمسين مقدماً تقديماً مقيداً لا يتسلسل، وبُعث له هذا التقديم إلى فاس مع الشريف سيدي أحمد العبدلاوي.
ثم أجيز فيها رابعاً من المقدم الشهير سيدي محمد بن عبد الواحد بناني المصري.
وتدل هذه الإجازات المتعددة على علو منزلته في الطريقة، وعلى ما حظي به من ثقة كبار رجالها وتقديرهم.
مكانته العلمية والروحية
جمع سيدي محمد العربي العلمي بين العلم والمعرفة والسلوك الروحي، فكان من العلماء العارفين الذين جمعوا بين التكوين الفقهي والتزكية الصوفية. وقد عُرف بمكانته بين أهل العلم، كما كان من الشخصيات التي اضطلعت بنشر الطريقة التجانية وتثبيت حضورها في محيطها.
إقامته وانتقاله
انتقل من مدينة فاس إلى قبيلة زرهون، واستقر بها في قرية موساوة، حيث واصل حياته في التعليم والتربية والانتفاع الروحي، حتى صار من الأعلام المعروفين في تلك الجهة.
وفاته
توفي رحمه الله بمقر داره بقرية موساوة ليلة السبت 15 جمادى الثانية 1320هـ الموافق 19 شتنبر 1902م، ودُفن بها.
وقد أصبح ضريحه مشهوراً متبركاً به، مما يدل على ما بقي له من أثر ومكانة في نفوس أهل المنطقة ومحبيه.
إرثه
ترك سيدي محمد العربي العلمي اللحياني أثراً علمياً وروحياً واضحاً، بوصفه واحداً من كبار رجال الطريقة التجانية ومن علماء فاس الذين جمعوا بين التكوين القروي والإشعاع الصوفي. ولا يزال اسمه حاضراً في الذاكرة العلمية والروحية، بفضل مكانته بين أهل العلم وما خلفه من سمعة طيبة وأثر مبارك.

