21‏/3‏/20264 دقيقة قراءةFR

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Skiredj Library of Tijani Studies

وبعْدُ: سألَنِي بعْضُ الإخوانِ الأحمديين عَنْ صلاةِ جوهرةِ الكمال هَلْ يجوزُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهَا في قلْبِ خلوَتِهِ، مَعَ العِلْمِ أَنَّ خلوَتَهُ صغيرَةٌ جدًّا لا تَسَعُ إلا شخْصًا واحدًا لا غَيْرَ.

قُلْتُ: اعلمْ أَنَّ جوهرةَ الكمالِ، في التعريفِ بسيدِ الرجال، صلاةٌ تعَدَّدَتْ خواصُّهَا وشرُوطُهَا وآدابُهَا، اعتبارًا للخاصيَةِ العظيمَةِ التي تحتويها هذِهِ الصلاةُ، وهِيَ حضورُ النبيِّ الكريمِ صلى اللهُ عليه وسلم لَدَى قارِئِهَا، ومعَهُ الخلفاءُ الأربعَةُ الراشدونَ، أبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعثمانُ وعليٌّ رضوانُ اللهِ تعالى عنهُمْ جميعًا.. وهذِهِ الخاصيَةُ وغيرُهَا مِنْ خواصِ هذِهِ الصلاةِ لا يَبْلُغُهَا الذاكرُ إلَّا بالتزَامِ الشروطِ المشرُوطَةِ فيها، ومِنْ ضِمْنِهَا أَنْ يكُونَ المحَلُّ الذي تُذْكَرُ فيهِ يسَعُ ستَّةً مِنَ الأشخاصِ، ولهَذَا يقُولُ صاحبُ نَظْمِ منيةِ المريدِ: [ أَوْ عَنْ طَهَارَةِ مَكَانِ وَسِعَهْ * مَعَ النَّبِي وَالخُلَفَاءِ الأَرْبَعَهْ ]

لكِنْ ينْبَغِي أَنْ نَعْرِفَ العِلَّةَ ورَاءَ اشتراطِ المكَانِ الذي يَسَعُ ستَّةَ أشخاصٍ، فإِذَا تَصَفَّحْنَا كُتُبَ الطريقةِ التجانيةِ الواحِدَ تِلْوَ الآخرِ، نَجِدُ العلامةَ سيدي محمدَ العرَبِيَّ بْنَ السائح يتَحَدَّثُ بإسْهابٍ عنْ هذِهِ المسألةِ في كتابِهِ بغيةِ المستفيد، ويُبَيِّنُ لَنَا على أَنَّ العلةَ هِيَ أَنْ يكُونَ المكانُ الذي تُطْلَبُ طهارَتُهُ يَسَعُ ستةً مِنَ الناسِ، أَيْ المطلوبُ طهارَةُ المكَانِ الذي تُذْكَرُ فيهِ هذِهِ الصلاةُ، سواءً في مَحَلِّ جلوسِكَ، أَوْ عَنْ يمينِكَ ويسارِكَ وأمامِكَ وورائِكَ

وعن هذِهِ المسألةِ قال لِي الفقيهُ المقدَّمُ سيدي لحسنْ الفطواكي الدمناتي: المطلوبُ في المكَانِ الذي يَسَعُ ستَّةَ أشخاصٍ هِيَ الطهارَةُ لَا غَيْر، فاسْتَفْسَرْتُهُ عَنْ ذلكَ، فقالَ لي: إِذَا كُنْتَ فِي خلَاءٍ وأَرَدْتَ أَنْ تَذْكُرَ وظيفتَكَ بِمَا فيهَا جوهرَةُ الكمالِ فاختَرْ مكانًا طاهرًا يسَعُ سِتَّةَ أشخَاصٍ، تَذْكُرُ في وَسَطِهِ، ولَا علَيْكَ في النجَاسِةِ الخفيفَةِ إِنْ كانت موجودةً ما وَرَاءَ هذِهِ المسافةِ، فطَلَبْتُ منْهُ المزيدَ مِنَ التوضيحِ فقالَ لي: كُنَّا قديمًا إِنْ خَرَجْنَا على دَوابِّنَا فِي سَفَرٍ، وأَرَدْنَا ذِكْرَ الوظيفَةِ في الطريقِ، نختَارُ لهَا مكانًا طاهرًا، فإِنْ لَمْ نجِدْ فبُقْعَةٌ طاهِرَةٌ فِي حدُودِ ثلاثةِ أمتارٍ مربعَةٍ، ولا علَيْكَ في النجاسةِ الخفيفَةِ إِنْ كانَتْ ورَاءَ هَذِهِ الأمتَارِ، والنجاسةُ الخفيفَةُ هي النجاسةُ التي لا تَنْبَعِثُ منْهَا الرائحةُ الكريهَةُ بَعِيدًا.

وقد صَحَّحَ صاحبُ كتابِ بغيةِ المستفيد مَا تَوَهَّمَهُ ناظِمُ منيةِ المريدِ سيدي التِّجانِي ابْنُ بابَا العلوي مِنْ أَنَّ السِّتَّةَ المذكورةَ في النصِّ المُرَادُ بهَا النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم والخلفَاءُ الأربعَةُ، فقال رضي الله عنه على هامشِ مَخْطُوطَةِ كتابِهِ بغيَةِ المستفيد، لَدَى كلامِهِ على هَذِهِ المسألةِ: وَبَعْدَ تَقْيِّيدِ هَذَا الكَلَامِ عَلَى هَذَا البَيْتِ ظَهَرَ لِي أَنَّ الصَّوَابَ إِصْلَاحُ البَيْتِ [أي بَيْتُ مُنيةِ المريد] بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ فِيهِ: [ أَوْ عَنْ طَهَارَةِ مَكَانٍ يَسَعُ * سِتًّا مِنَ النَّاسِ إِذَا مَا اجْتَمَعُوا ]

ثُمَّ قالَ رضي اللهُ تعالى عنه بعْدَ ذلك: فَالتَّقْدِيرُ بِمَا يَسَعُ سِتَّةً مِنَ النَّاسِ لِذَاتِ البُقْعَةِ الَّتِي تُطْلَبُ طَهَارَتُهَا لَا لِأَجْلِ مَنْ يَحْضُرُ بِهَا، وَالقَصْدُ مِنْ هَذَا القَدْرِ فِي البُقْعَةِ التَّبَاعُدُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، أَعْنِي تَبَاعُدَ أَنْفَاسِ الذَّاكِرِ عَنِ النَّجَاسَةِ إلَى أَنْ قال: وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ لَوْ تَجَنَّبَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ العِبَارَةَ، إِذِ الحُضُورُ المَوْصُوفُ [أَيْ حضورُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والخلفَاءِ الأربعةِ] هُوَ مِنْ بَابِ خَرْقِ العَوَائِدِ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالقُيُودِ الحِسِّيَّةِ

قُلْتُ: ولهَذَا قال العلامةُ السلطانُ الأسبقُ المولى عبْدُ الحفيظِ العلوي في نظمِهِ المسمى بـ الجامعَةِ العرفانيَةِ: [ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الذِّكْرِ يَسَعْ * لِسِتَّةٍ وَالخُلْفُ فِي السِّرِّ وَقَعْ ـــ وَقَالَ فِي البُغْيَةِ هَكَذَا وَرَدْ * عَنْ شَيْخِنَا مُحَدَّدًا فَلْيُعْتَمَدْ ـــ وَالقَصْدُ بُعْدُ نَفَسِ المُسَبِّحِينْ * عَنِ النَّجَاسَةِ لَدَى الذِّكْرِ الثَّمِينْ ] .... وبهَذَا يتَّضِحُ لنَا أَنَّ العلَّةَ تَكْمُنُ في الطهارَةِ لَا غَيْرَ، وبالتَّالِي فالشخصُ السائلُ الذي يُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَ صلاةَ جوهرةِ الكمال في خلْوَتِهِ الصغيرةِ التي لا تَسَعُ إلَّا شخصًا واحدًا، فلَهُ أَنْ يَذْكُرَهَا، ولا حرَجَ عليْهِ، لأَنَّ العلَّةَ هِيَ الطهارَةُ لَا غَيْر، وقد نَصَّ على هذِهِ المسألةِ بِعَيْنِهَا صاحبُ كتابِ بغيةِ المستفيدِ فقالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ كَالبَيْتِ المَطْلُوبِ فِي الخَلْوَةِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ إِلَّا وَاحِداً لِسُجُودِهِ فَقَطْ، وَالفَرْضُ أَنَّهُ طَاهِرٌ، لَهُ أَنْ يَذْكُرَ الجَوْهَرَةَ، بَلْ هُوَ مُطَالَبٌ بِقِرَاءَتِهَا فِي الوَظِيفَةِ بِلَا شَكٍّ،

وَلا بأْسَ أَنْ أُخْتِمَ هذِهِ الكلمَةَ بحكايةٍ لَهَا صلةٌ بالموضوعِ، ذكرَهَا العلامةُ سيدي أحمدُ سُكيرجُ في كِتَابَيْهِ الكوكبِ الوهاجِ، ونورِ السراجِ أيضًا قالَ:

وَلَقَدْ كَانَ حَدَّثَنِي شَيْخُنَا العَارِفُ بِاللَّهِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ أَحْمَدُ العَبْدَلَّاوِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ سَيِّدِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بَقَّالاً [بِمَدِينَةِ فَاسٍ، يَبِيعُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ] وَكَانَ يَقْرَأُ الوَظِيفَةَ دَاخِلَ حَانُوتِهِ إِذَا فَرَغَ مِنَ البَيْعِ فِي مَحَلٍّ أَعَدَّهُ لِذَلِكَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْلُو الجَوْهَرَةَ فِي اليَوْمِ الَّذِي أَتَاهُ يُخْبِرُهُ فِيهِ بِمَا وَقَعَ لَهُ إِذْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعِ، وَأَبُوبَكْرٍ يَقُولُ لَهُ: أَمَا تَسْتَحْيِ، تَأْتِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى هَذَا المَحَلِّ، وَكَانَ المَحَلُّ طَاهِرًا غَيْرَ نَظِيفٍ، ثُمَّ غَابُوا عَنْ بَصَرِهِ، فَرَفَعَ مَا وَقَعَ لَهُ لِشَيْخِنَا المَذْكُورِ خَائِفاً عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الانْقِطَاعِ، وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ رَعْدَةُ حُمَّى لَازَمَتْهُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وفِي هذا القَدْرِ مِنَ الجوابِ كفايةٌ والسلامُ عليكُمْ ورحمةُ الله تعالى وبركاته