Skiredj Library of Tijani Studies
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
هذا الشريطُ هو بمثابَةِ زيادَةِ تسليطِ الضوءِ حول مسألةِ ذكْرِ الوظيفةِ على الميتِ، وهيَ مسألةٌ لم يختَلِفْ فيها علماءُ الطريقةِ الكبارِ، المعتَمَدُ عليهم في هذا الشأْنِ، وتنحَصِرُ أقوالُهُمْ ما بين القوْلِ بمشروعيتِهَا، أو فعلِهَا، أو إقرَارِ مَنْ فعلَهَا مِنَ الإخوانِ على فِعْلِهِ، وربَّمَا يتبادَرُ لذِهْنِ بعضِ الإخوان أنَّ هناك خلْطًا حَصَلَ في هذه المسألَةِ، خصوصا لدى قوْلِ العلامةِ سيدي أحمد سكيرج في كتابِهِ اليواقيت الأحمدية العرفانية لدى سؤَالٍ وُضِعَ عليْهِ حول مشروعيَةِ ذِكْرِ الوظيفةِ على الميت، فقالَ في مطْلَعِ جوابِهِ: اعْلَمْ أَنَّ الوَظِيفَةَ فِي الوَلِيمَةِ وَالجَنَازَةِ مِنَ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثم قال: لَكِنْ جَرَى عَمَلُ فَاسٍ بِقِرَاءَتِهَا فِي ذَلِكَ بِاسْتِدْعَاءِ الإِخْوَانِ. وَالقَصْدُ حُضُورُ بَرَكَتِهَا لِلْمَيِّتِ وَلِأَصْحَابِ الوَلِيمَةِ.
والمقصودُ بعَمَلِ فاسٍ، أَيْ عمَلُ زاويتِهَا المباركةِ الكبرى، وعمَلُ زاويتِهَا يأخُذُ مشروعِيَتَهُ عَنْ رجالٍ من جِلَّةِ علماءِ الطريقة، ممَّنْ عاصروا سيدَنَا الشيخَ التجانيَ رضي الله تعالى عنه، وتتلمَذُوا لَهُ، وانتفَعُوا بهِ، واستفادُوا مِنْ تعاليمِهِ ونصائحهِ وتوجيهاتهِ، وقَدْ يتَفَرَّدُ في بعْضِ الأحيانِ أحَدُ هؤلاءِ العلمَاءِ بِمَا لَمْ يعْرِفْهُ أَوْ يسْتَفِدْهُ الآخَرُ، وحصَلَ هذا في مسَائِلَ كثيرَةٍ، يطولُ بنا الأمْرُ لَوْ أردْنَا تعْدَادَهَا عن آخرِهَا، ومنْهَا هذه المسألةُ التي هي ذكْرُ الوظيفَةِ على الميتِ
وقولُ العلامةِ سيدي أحمَدَ سكيرِجَ: اعْلَمْ أَنَّ الوَظِيفَةَ فِي الوَلِيمَةِ وَالجَنَازَةِ مِنَ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قلْتُ هذا القوْلُ يحْتَمِلُ أكثَرَ مِنْ معْنى، ولعَلَّ المرَادَ بِهِ هُنَا ذكْرَ الوظيفَةِ في الولَائِمِ، لأنَّهُ هو مِحْوَرُ السؤالِ الذي تَمَّ وضْعُهُ علَيْهِ، وقد كانَ ساداتُنَا الفقراءُ يجتمِعُونَ في ولائمِهِمْ ويذكرُونَ الوظيفَةَ تبرُّكًا في منزِلِ مَنْ استَدْعَاهُمْ، سوَاءٌ مِنَ الإخوانِ أو المحبِّينَ.
ويؤيِّدُ هذا القولَ ما ذكرَهُ الفقيهُ سيدي محمد بن يحيى بلامينُو الرباطي في كناشِهِ مِنْ نَهْيِ العلامةِ سيدي محمد العربي بنِ السائح رضي الله عنه عن ذكْرِ الوظيفَةِ في بعضِ الولائمِ المُعَدَّةِ بنِيَاتٍ فاسدَةٍ، الغرَضُ منها الحصولُ على الشهْرَةِ، فقال: أعْنِي الفقِيهَ بلامينُو: وأمَّا مَا نقْرَأُ مِنَ الوظيفَةِ على مَنْ مَاتَ مِمَّنْ نعتَقِدُ أنَّهُ كان يُحِبُّ مولَانَا الشيخَ رضي الله عنه، ويُحِبُّ طريقتَهُ، فإنَّهُ لا يُنَاقِضُهُ، بمعْنَى أَنَّ العلامَةَ سيدي محمَّدَ العربيَ بْنَ السائح رضي الله عنه كان يقُولُ بِهِ، بَلْ ويحُضُّ عليه، وإنَّمَا نهيُهُ كان عَنْ الذينَ اتخَذُوا الوظيفَةَ الأحمديةَ على شَاكِلَةِ وظائِفِ أهْلِ الطرقِ الصوفيةِ الأخرى، يجتمِعُونَ لَهَا ويذكرُونَهَا بنِيَّةِ قضَاءِ مصالِحِ الناسِ، مِنْ سَاسَةٍ وغيرِهِمْ. وهذا الشكْلُ مِنَ الوظيفَةِ التي نَهَى عنْهَا هو نَفْسُهُ الذي كان يتَحَرَّجُ منْهُ الفقيهُ العارفُ سيدي أحمَدُ العبدلاوي، حسَبَ قوْلِ العلامةِ سيدي أحمَدَ سكيرِجَ في كتابِهِ اليواقيتِ الأحمديَّةِ العرفانيَةِ قائلًا: غَيْرَ أَنَّ شَيْخَنَا العَارِفَ بِاللَّهِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ أَحْمَدَ العَبْدَلَّاوِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَا يُحِبُّهُ لِكَوْنِهِ مِنَ البِدَعِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وهناك شيءٌ آخَرُ لا يفوتُنَا التنبيهُ إليهِ وهُوَ أنَّ بعْضَ الإخوانِ كانوا إذا اجتمَعُوا في وليمَةٍ أو جنازَةٍ لَا يكتَفُونَ بذِكْرِ الوظيفَةِ فقَطْ، بل يذكرُونَ الهيللَةَ أيضًا بصيغتِهَا وهيئتِهَا الأولى، وهُوَ بالفِعْلِ ما أثارَ غضَبَ واشمئزَازَ الفقيهِ المذكورِ سيدي أحمَدَ العبدلاوي واعترَضَ عليه. ولهذا يقول العلامة سكيرج في سياق هذا النص بعد سطر واحد منه أو سطرين [وَشَنَّعَ [يعْنِي سيدي أحمَدَ العبدلاوي] عَلَى اسْتِعْمَالِ الذِّكْرِ فِي ذَلِكَ] أَيْ أَنَّ سبَبَ اعترَاضِ الفقيه العبدلاوي على هؤلَاءِ الإخوانِ المجتمعِينَ في وليمَةٍ [سواءً كانتْ فرحًا أو عقيقَةً أو جنازَةً وما أشبَهَ ذلك] العِلَّةُ فيهِ هُوَ إقدامُهُمْ على ذكْرِ الهيللةِ مباشرةً بعْدَ الإنتهَاءِ مِنْ ذكْرِ الوظيفةِ، وذلك بهيئَتِهَا الأولى مِنَ الحَلْقَةِ والسمَاعِ والذِّكْرِ وغيرِهِ.
والواقِعُ أن السؤالَ المطرُوحَ هُنَا هو حَوْلَ ذكْرِ الوظيفَةِ على الميِّتِ قبْلَ دفنِهِ، أمَّا بعْدَ دفنِهِ وبالضبْطِ في حفْلِ عَشَاءِ الميِّتِ، الذي جرَتْ بِهِ العادَةُ في مدينَةِ فاسٍ وغيرِهَا مِنْ مُدُنِ المملكَةِ فهَذَا يدخُلُ في الشِّقِّ الثاني مِنَ السؤَالِ المتعلِقِ بالولائِمِ وما إليهَا.
والصحيحُ أَنَّ العلامةَ سيدي أحمدَ سكيرِجَ قال بجوَازِ مسألةِ ذكْرِ الوظيفَةِ على الميِّتِ بنَاءً على عمَلِ الزاويةِ الكبرى بفاسٍ، وعمَلُهَا مقَدَّمٌ على غيرِهِ، وحُجَّةٌ أيضًا، لأَنَّهُ يسْتَقِي مشرُوعِيَتَهُ أولًا وأخيرًا مِنْ عمَلِ سيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه، ولا نَنْسَى أَنَّ كتابَ اليواقيتِ الأحمديةِ العرفانيةِ فَرَغَ مؤلِّفُهُ العلامةُ سيدي أحمدُ سكيرِجُ من مُسَوَّدَتِهِ قبل وفاتِهِ بأربعينَ سنَةً، وطُبِعَ على الحجَرِ بفاسٍ قبْلَ وفاتِهِ أيضًا بثلاثين سنَةً،
ثُمّ لا يخْفَى على أحدٍ أنَّ العلامةَ سيدي أحمدَ سكيرِجَ تحدَّثَ عن مشروعيَةِ ذكْرِ الوظيفَةِ على الميِّتِ في تقاييدَ أخرى لَهُ، تأَخَّرَتْ عن تاريخِ هذا الكتَابِ بما يزِيدُ على العشرينَ سنَةً، وفِي هذا دليلٌ قاطِعٌ أنَّ المعلوماتِ التي سَاقَهَا المؤلِفُ في هذِهِ التقاييدِ لم تَكُنْ لدَيْهِ أوَّلًا لَدَى جمْعِهِ لكتابِ اليواقيتِ الأحمديةِ العرفانيةِ،
ولم تَبْقَى هذِهِ المسألةُ محصورَةً في فَتْوَى العلامةِ سيدي أحمَدَ سكيرِجَ، بَلْ قال بِهَا أيضًا جُلُّ علماءِ طريقتِنَا الكبارِ، ويكْفِي في هذا الموضُوعِ ما قالَهُ العلامةُ الحافظُ سيدي إدريسُ بْنُ محمدٍ بْنِ العابِدِ العراقي، فقَدْ تحدَّثَ بإسهابٍ حوْلَهَا في كتابِهِ الرسالةِ الشافيةِ، في فقْهِ الطريقةِ الأحمديةِ التجانية، وقال بجَوَازِهَا، وكَشَفَ عن أصْلِهَا ومسْتَنَدِهَا عَنْ سيدِنَا الشيخِ التجاني رضي الله عنه، وأَفَاضَ القوْلَ في ذلك في سِتِّ صفحَاتٍ مِنْ كتابِهِ المذكورِ.
وذكر أيضًا موْقِفَ العلامةِ القطْبِ سيدي محمدٍ العربِيِّ بنِ السائح من هذِهِ المسألَةِ، نقْلًا عَنْ مُقَدَّمِنَا المرحُومِ سيدي الحاجْ قاسِمْ جسوسْ، ونفْسُ المسألَةِ مذكُورَةٌ في كناشِ الفقيهِ الجليلِ سيدي حَسَنْ التادِلِي، ومُفَادُهَا أَنَّ العلامَةَ سيدي محمدَ العربيَ بْنَ السائحِ رضي الله عنه لَمَّا تَوَفَّى السيِّد قاسِمْ بْنُ عبدِ السلامِ جسوسْ طَلَبَ ممَّنْ كانوا في حضرَتِهِ مِنَ الإخوانِ الأحمديينَ الذهابَ على وَجْهِ السُّرْعَةِ لمنْزِلِ الفقيدِ المذكور، وذِكْرِ الوظيفَةِ عن آخِرِهَا هُنَاكَ، أَيْ بالعَدَدِ المعلُومِ فيهَا مِنْ صلاةِ جوهرَةِ الكمَالِ، وهُوَ اثْنَى عشَرَ مرةً، إلى أَنْ قالَ صاحبُ الكناشِ: وقَدْ جرَتْ العادَةُ عندَنَا بقرَاءَةِ الوظيفةِ لدَى وفاةِ بعْضِ الإخوانِ أَوْ المُحِبِّينَ مِنْ أهلِ العَدْوَتَيْنِ [يَعْنِي مدِينَتَيْ الرباطِ وسلا] وكثيرًا ما تَكُونُ مخَفَّفَةً، نَكْتَفِي فيها بذِكْرِ حبَّاتٍ قليلَةٍ مِنْ صلاةِ جوهرَةِ الكمالِ.
ويطولُ بنا الأمرُ لَوْ أردْنَا استِقْصَاءَ هذا الموضوعَ مِنْ كافةِ جوانبِهِ، وفي هذا القدْرِ مَعَ ما سبَقَهُ مِنَ الشريطِ السالِفِ مِنَ الجوَابِ كفايةٌ، والسلامُ عليكم