21‏/3‏/20265 دقيقة قراءةFR

بسم الله الرحمن الرحيم

Skiredj Library of Tijani Studies

الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وبعد: أعتذِرُ لأخٍ كريمٍ سألني منْذُ أكثَرَ من ثلاثةِ أشهرٍ عن الصلاةِ خلْفَ الإمامِ الآخذِ للأُجْرَةِ هَلْ تجُوزُ أمْ لا؟ قال: وقد ذَكَرَ له شخْصٌ مِنْ أهلِ العلْمِ أَنَّ الواجِبَ على المُريدِ أَنْ يُعيدَ كافةَ صلواتهِ التي صلاها خَلْفَ الإمامِ الآخِذِ للأجرَةِ، ولَوْ على مَدَى سنواتٍ.

أُجِيبُ هذا السائلَ الكريمَ بأَنَّ المسألَةَ فيها خلافٌ بين العلماءِ، وقوْلُ سيدِنَا الشيخِ رضي الله تعالى عنه في هذِهِ المسألَةِ مذكورٌ في موْضِعَيْنِ اثنَيْنِ من كتابِ الإفادَةِ الأحمدية، لمريد السعادة الأبدية، للشريفِ البركةِ سيدي الطيبِ السفياني، ومذكورٌ أيضًا بالنَّصِّ ذاتِهِ في كتابِ الجامِعِ، للعلامةِ سيدي محمدٍ بْنِ المشري، ضِمْنَ المسائلِ التي انفَرَدَ بها عن كتابِ جواهرِ المعاني.

عمومًا فالقولُ المشهورُ لسيدِنَا الشيخِ رضي الله تعالى عنه في هذِهِ المسألَةِ ذَكَرَهُ على شَكْلِ حكايةٍ، قال: بَعْضُ الأَئِمَّةِ كَانَ يَأْخُذُ الأُجْرَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَجَاءَهُ مَلَكَا السُّؤَالِ، ارْتُجَّ بِهِ المَوْقِفُ، وَلَمْ يُلْهَمِ الحُجَّةَ حَتَّى جَازَتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ رَجُلٌ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، فَلَقَّنَهُ الجَوَابَ. فَلَمَّا ذَهَبَ المَلَكَانِ، سَأَلَهُ : بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ لَهُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. قَالَ لَهُ : وَأَيْنَ غِبْتَ عَنِّي؟ قَالَ لَهُ: كُنْتَ تَأْخُذُ الأُجْرَةَ عَلَى الإِمَامَةِ. قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ عُمْرِي مَا أَكَلْتُهَا ، إِنَّمَا كُنْتُ أَتَصَدَّقُ بِهَا. قَالَ: لَوْ أَكَلْتَهَا مَا رَأَيْتَنِي قَطُّ.

والقولُ الثاني لسيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه هو قوْلُهُ: لَوْ يُعْطُونِي مَا عَسَى أَنْ يُعْطُونِي مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً بِالأُجْرَةِ. وسَبَبُ هذا القولِ الثاني أنَّ شخصًا مِنْ أعلَامِ مدينَةِ فاسٍ: مَازَحَ سيدَنَا الشيْخَ رضي الله عنه بِقَوْلِهِ: يُعَيِّنُونَ لَكَ مَسْجِدًا كَثِيرَ النَّفْعِ هَلْ تَقْبَلُهُ؟ فأجابَهُ رضي الله عنه على الفَوْرِ بقولِهِ: لَوْ يُعْطُونِي مَا عَسَى أَنْ يُعْطُونِي مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً بِالأُجْرَةِ.

عمومًا فسيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه يَرَى أنَّ الإمامةَ ينبغي أنْ تكُونَ خالصةً لله تعالى، بحيْثُ لا يتَقَاضَى صاحبُهَا بسَبَبِهَا شيئًا مِنَ الأجرةِ، وما يتعلَّقُ بالإمامَةِ عنْدَهُ يتعَلَّقُ أيضًا بالآذانِ والقراءةِ والخطبةِ والشهادةِ وما إلى ذلك، وَمِنْ هَذَا القَبِيلِ قَوْلُ العَلَّامَةِ العَارِفِ بِاللَّهِ سَيِّدِي مَحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ النَّظِيفِي فِي نَظْمِهِ اليَاقُوتَةِ الفَرِيدَةِ: [ وَلَا تَتَّخِذْ أَجْرًا عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ = كَعِلْمٍ إِمَامَةٍ أَذَانٍ وَخُطْبَةِ ].... وَحَوْلَ هَذَا المَوْضُوعِ أيضا قال العَلَّامَةُ سُكَيْرِجُ فِي كِتَابِهِ يَوَاقِيتِ المَعَانِي، فِي مَذْهَبِ الشَّيْخِ التِّجَانِي: وَعِنْدَهُ يُحْرَمُ أَخْذُ الأُجْرَةِ * عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَوْ لِمَرَّةِ..... وَمِثْلُهَا الأُجْرَةُ عَنْ إِقَامَةِ * عِبَادَةٍ لِلَّهِ كَالإِمَامَةِ ..... وَإِنَّمَا هِيَ تُرَى لِلَّهِ * فَلاَ تَكُنْ تَرْتَكِبُ المَنَاهِي.

وممَّا يُعَزِّزُ هذا القوْلَ ما ذكرَهُ العلامةُ سيدي أحمدُ سكيرِجُ في كتابِهِ كشْفِ الحجابِ لَدَى ترجمتِهِ للعلامةِ سيدي العباسِ بْنِ كيرانْ، قال: وَسَأَلَهُ مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُؤَالٍ رُفِعَ لِحَضْرَتِهِ. وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى الإِمَامُ الرَّاتِبُ وَأَخَذَ فِي قِرَاءَةِ الحِزْبِ. وَدَخَلَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى وَصَلُّوا بِالقُرْبِ مِنْهُ. بِحَيْثُ رُبَّمَا تُشَوِّشُ القِرَاءَةُ عَلَى المُصَلِّي. أَوْ تَدْخُلُ الجَمَاعَةُ تُصَلِّي بِمُجَرَّدِ فَرَاغِ الإِمَامِ الرَّاتِبِ مِنَ الصَّلَاةِ. فَيَكُونُ طَعْناً فِي الإِمَامِ الرَّاتِبِ.

فَأَجَابَهُ العلامة سيدي العباسُ بْنُ كيرانَ بكلامٍ في الموضوعِ إلى أن قال: وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ تَأْتِي بَعْدَ الإِمَامِ الرَّاتِبِ فَتُصَلِّي. فَقَالَ : لَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ. وَأَيُّ شَيْءٍ تُنْكِرُونَ ؟ فَقَالُوا : يَا سَيِّدِي خَوْفَ الطَّعْنِ فِي الإِمَامِ. فَقَالَ لَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإِمَامُ مَذْبُوحٌ بِأَخْذِ الأُجْرَةِ. فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الطَّعْنُ. ثُمَّ قَالَ العلامةُ سيدي العباسُ بْنُ كيرانَ لِلسُّلْطَانِ : وَسَيِّدِي أَحْمَدُ التِّجَانِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فُعِلَ هَذَا بِحَضْرَتِهِ. وَهُوَ لَا يَسْكُتُ عَنْ مُنْكَرٍ أَبَداً. فَلَوْ كَانَ هَذَا مُنْكَراً مَا أَقَرَّهُ أَبَداً. فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ المَذْكُورُ كَفَى بِكَ. إِهـ..

ووقَفْتُ في الموضوعِ أيضًا على رسالةٍ لسيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه بعَثَهَا لأحَدِ الأعلامِ مِنْ أصحابِهِ بمدينةِ مكناس، والغالبُ على ظَنِّي أنَّ هذا العَالِمَ كان قَدِ استَفْسَرَهُ في هذهِ المسألةِ، فأجابَهُ بنفْسِ قولِهِ السابقِ الذي يُفِيدُ كراهةَ تقَاضِي الأجرَةِ على الإمامةِ، إلى أنْ قال لَهُ: والنَّهْيُ عن أخْذِ الأجرةِ على الإمامةِ يُقاسُ بنهيِهِ صلى الله عليه وسلم عن أَخْذِ الأجرةِ على الآذانِ، عملًا بالحديثِ الذي أخرجه الترمذي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى آذَانِهِ أَجْرًا..

ولا بأْسَ أَنْ نُشِيرَ على أنَّ السؤالَ نفْسَهُ تَمَّ طرْحُهُ من طرَفِ أحَدِ فُقهَاءِ منطقَةِ سُوسٍ على العلامةِ الفقيهِ سيدي محمدَ أكنسوسْ، فأشارَ على أنَّ الأَوْلَى والأفضلَ هو العملُ بمذهبِ سيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه في هذِهِ المسألةِ، إِذِ التطوُّعُ بالإمامةِ والآذانِ لمَنْ وسَّعَ اللهُ تعالى عليْهِ في الرزقِ أكمَلُ وأتَمُّ في الإخلاصِ، ثُمَّ أشارَ على أنَّ العمَلَ في مذهبِ الإمامِ مالِكٍ يَنُصُّ على جوازِ أَخْذِ الأجرَةِ بالنسبَةِ للأئمَّةِ ذَوِي الدَّخْلِ المحدُودِ، وبالتالي فيَجُوزُ لهؤلاءِ الأئمَّةِ الإستعانَةُ بِمَا يَتِمُّ تعْوِيضُهُمْ بِهِ من طرَفِ بيْتِ مالِ المسلمينَ، فلا حرَجَ عليهِمْ في هذا الصدَدِ، بَلْ ما يأخذُونَهُ هُوَ شيءٌ يُعِينُهُمْ على القيامِ بالواجبِ أكثَرَ فأكثَرَ، وبيْتُ مالِ المسلمين هُوَ محَلُّ مصالحِهِمْ، ومِنْ مصالحِهِمْ توفيرُ ما يحتَاجُونَهُ مِنْ أئمةٍ وقرَّاءٍ وعلماءَ وغيرِهِمْ.

قلْتُ: أمَّا الشخْصُ الذي صلَّى خلْفَ الإمامِ الآخِذِ للأجرَةِ على إمامتِهِ فلا حرَجَ عليْهِ، وهُوَ أيضًا غيرُ مُطَالَبٍ بإعادَةِ صلواتِهِ التي صلَّاهَا خلْفَهُ، فهذا تَشَدُّدٌ فادحٌ، والدينُ يسْرٌ، ولا بأْسَ أنْ يختَارَ إمامًا آخَرَ تتَوَفَّرُ فيهِ شروطُ الإمامة، ويكونَ عملُهُ خالصًا للهِ تعالى لا شائبَةَ فيهِ، مَعَ احترامِ كافةِ الأئمةِ الذين يتَقَاضَوْنَ الأجرةَ على إمامَتِهِمْ، وعدَمِ ازدرَائِهِمْ أَوْ رُؤيتِهِمْ بعيْنِ النقْصِ والعَيْبِ ومَا إليه، فالمسألَةُ محَلُّ خلافٍ بيْنَ الفقهاءِ، وكلُّ فريقٍ يأْخُذُ بما يرَاهُ موافِقًا لَهُ.

ومِمَّا حصَلَ في هذا الشأْنِ أنَّ جماعةً مِنَ الطلبَةِ المُتَهَكِّمِينَ الْتَقَوْا مرةً بالعلامةِ سيدي عبْدِ الكريمِ بْنِ العربي بنيس، أَحَدِ أعلامِ الطريقةِ التجانية بمدينةِ فاسٍ، فقالوا له: نُرِيدُ أَنْ نسْأَلَكَ عن قوْلِ شيخِكُمْ التجانِي: الصَّلَاةُ فِي الزَّاوِيَةِ مَقْبُولَةٌ قَطْعاً، فعَرَفَ قصدَهُمْ، وقالَ مجيبًا لهُمْ: وكيْفَ لا تكُونُ مقبولَةً، وأمرُهَا قائمٌ باللهِ، الإمامُ فيها مُتَطَوِّعٌ لا يأخُذُ على إمامتِهِ أجرةً، وكذلك المؤَذِّنُ وغيرُهُ.

وبهذا يَتَبَيَّنُ لك أيُّهَا الأخُ الكريمُ الجوابُ عن سؤالِكَ المتعلِقِ بالصلاةِ خلْفَ الإمامِ الذي يأْخُذُ الأجرَةَ مُقَابِلَ إمامَتِهِ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

مقالات ذات صلة

21‏/3‏/2026

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين، وبعد فقد سألنِي أحدُ إخوانِنَا الأحمديينَ سؤالًا مفادُهُ أنهُ ولظروفٍ قاسيةٍ عاشهَا في الفترةِ الأخيرةِ لجَأَ إلى شرْبِ الخمْرِ أكثرَ مِنْ خمسِ مراتٍ، لكنَّهُ ظلَّ معَ ذلك محافظًا على صلواتِهِ وأورادِهِ، ولم يُخْرِجْهَا عن أوقاتِهَا ولوْ مرَّةً واحدةً، وأنه حصَلَ له ندمٌ كبيرٌ على وُقُوعِهِ في هذا الذنبِ، واتصَلَ بمُقَدَّمِهِ الذي لقنهُ الوِردَ سابقا، وحكى له ما وقَعَ له بالتدقيقِ، فنهَرَهُ المقدمُ ووبخَهُ وقال له: أنتَ تحتاجُ إلى التجديدِ، ولَنْ أُجَدِّدَ لك، وطلبَ مني هذا الأخُ أَنْ أُجِيبَهُ وبتفصيلٍ عمَّا يجِبُ عليه فعلُهُ في حالتِهِ هذِهِ:

21‏/3‏/2026

بسم الله الرحمن الرحيم

21‏/3‏/2026

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

21‏/3‏/2026

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم