Skiredj Library of Tijani Studies
وصلى الله ويلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا،
وبعْدُ: فهذا كتابُ تيجانِ الغواني، في شرْحِ جواهرِ المعاني، للعلامةِ العارفِ الكبير، سيدي أحمدَ بنِ الحاج العياشي سكيرجَ الخزرجي الأنصاري،
كَانَ العَلَّامَةُ سَيِّدِي أَحْمَدُ سُكَيْرِجُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَدِيدَ الإِهْتِمَامِ بِكِتَابِ جَوَاهِرِ المَعَانِي، دَائِمَ المُطَالَعَةِ لَهُ، يُدَرِّسُهُ وَيَتَمَعَّنُ فِي مُحْتَوَيَاتِهِ، وَيَسْتَغْرِقُ الأَوْقَاتَ الطِّوَالَ فِي اسْتِخْرَاجِ دُرَرِ مَعَانِيهِ الدَّقِيقَةِ، وَقَدْ وَقَفْتُ لَهُ فِي هَذَا الإِطَارِ عَلَى رِسَالَةٍ بَعَثَهَا لِأَحَدِ تَلَامِذَتِهِ، قَالَ فِي ضِمْنِهَا: إِنِّي وَلِلَّهِ الحَمْدُ أَبْذُلُ الجُهْدَ فِي جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ وَإِخْرَاجِهِ، يَعْنِي كِتَابَ تِيجَانِ الغَوَانِي فِي شَرْحِ جَوَاهِرِ المَعَانِي، فَإِنْ وُفِّقْتُ إِلَى ذَلِكَ وَأَصَبْتُ فَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَهُ المِنَّةُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَعُذْرِي أَنِّي سَأَسْتَفْرِغُ فِي البَحْثِ جُهْدِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَسْأَلُ القَبُولَ، إِنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
المَعْرُوفُ عَنْ هَذَا الكِتَابِ أَنَّهُ مِنْ عِدَادِ مُؤَلَّفَاتِ العَلَّامَةِ سُكَيْرِجٍ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ طَرِيقَهَا إِلَى التَّمَامِ، وَاكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ تَرْجَمَةٍ مُوسَعَةٍ لِمُؤَلِّفِ كِتَابِ الجَوَاهِرِ العَارِفِ بِرَبِّهِ سَيِّدِي الحَاجِّ عَلِيٍّ حَرَازِمَ بَرَّادَةَ، وَخَتَمَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بِذِكْرِ نُصُوصِ بَعْضِ إِجَازَاتِهِ، فَكَانَتْ ذَاتَ قِيمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ النَّاحِيَةِ المَعْلُومَاتِيَّةِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْهَا اثْنَانِ، فَهِيَ بِحَقٍّ وَافِيَةٌ شَافِيَةٌ كَافِيَةٌ،
وَكُنْتُ قَدْ عَثَرْتُ فِيمَا قَبْلُ عَلَى رِسَالَةٍ لِلمُؤَلِّفِ تَحَدَّثَ فِيهَا عَنِ المَنْهَجِيَّةِ المُزْمَعِ اتِّبَاعُهَا لَدَى جَمْعِهِ لِلكِتَابِ المَذْكُورِ، حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ مَنْهَجِيَّتَهُ فِيهِ سَتَقْتَصِرُ عَلَى التَّعْلِيقِ وَالشَّرْحِ لِبَعْضِ الأَلْفَاظِ الَّتِي تَحْتَاجُ فِي نَظَرِ القَارِئِ إِلَى تَعْلِيقٍ مَعَ تَبْسِيطِ بَعْضِ العِبَارَاتِ وَالمَفَاهِيمِ المُقْتَضِيَةِ بَيَاناً وَإِيضَاحاً.
لَمْ يَذْكُرْ المُؤَلِّفُ تَارِيخَ شُرُوعِهِ فِي هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ تَارِيخَ فَرَاغِهِ مِنْ كِتَابَتِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُتِمَّهُ، وَقَدْ بَحَثْتُ طَوِيلاً عَنْ هَذَا التَّارِيخِ فِي بُطُونِ الرَّسَائِلِ وَالوَثَائِقِ وَالمُسْتَنَدَاتِ إِلَى أَنْ وَقَفْتُ عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي إِحْدَى كَنَانِيشِ المُؤَلِّفِ، حَيْثُ أَفْصَحَ عَنِ التَّارِيخِ الَّذِي رَاوَدَتْهُ فِيهِ فِكْرَةُ جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ، وَكَذَلِكَ عَنْ تَارِيخِ شُرُوعِهِ فِي تَدْوِينِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ طُرُوءَ الفِكْرَةِ عَلَيْهِ بِتَأْلِيفِ هَذَا المُصَنَّفِ كَانَتْ مُنْذُ زَمَنِ تَحْصِيلِهِ، وَأَنَّهُ شَرَعَ فِي كِتَابَتِهِ فِي شَهْرِ صَفَرٍ الخَيْرِ عَامَ 1343 هـ.
سَمَّاهُ مُؤَلِّفُهُ بِاسْمِ تِيجَانِ الغَوَانِي فِي شَرْحِ جَوَاهِرِ المَعَانِي، وَهُوَ مَا كَتَبَهُ بِخَطِّهِ الجَمِيلِ عَلَى الصَّفْحَةِ الأُولَى مِنْ هَذَا الكِتَابِ، وَظَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُحَافِظاً عَلَى هَذَا العُنْوَانِ، لَمْ يُغَيِّرْهُ بِعُنْوَانٍ آخَرَ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَيَبْدُو هَذَا جَلِيّاً مِنْ خِلَالِ قَائِمَةِ عَنَاوِينِ مُؤَلَّفَاتِهِ الَّتِي كَتَبَهَا أَوَائِلَ سَنَةِ 1363 هـ- 1944م، وَهِيَ السَّنَةُ ذَاتُهَا الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَلَدَيَّ نُسْخَةٌ مِنْ هَذَا الكِتَابِ بِخَطِّ تِلْمِيذِهِ العَدْلِ الفَقِيهِ الحاجْ مُحَمَّدْ زَرْوَالَ، كَانَ المُؤَلِّفُ قَدْ بَعَثَهَا لِصَاحِبِهِ وَتِلْمِيذِهِ السُّلْطَانِ الأَسْبَقِ المَوْلَى عَبْدِ الحَفِيظِ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ إِقَامَتِهِ بِالعَاصِمَةِ الفَرَنْسِيَةِ بَارِيزَ، فَاخْتَارَ هَذَا الأَخِيرُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الكِتَابِ عُنْوَاناً آخَرَ غَيْرَ عُنْوَانِهِ الأَوَّلِ، فَكَتَبَ عَلَى مَطْلَعِ الصَّفْحَةِ الأُولَى مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ مَا نَصُّهُ كَعُنْوَانٍ بَدِيلٍ: تِيجَانُ المَعَانِي فِي جَمْعِ مَا فِي الجَامِعِ وَجَوَاهِرِ المَعَانِي مِمَّا فَاضَ مِنْ بَحْرِ الخَتْمِ التِّجَانِي سَقَانَا اللَّهُ مِنْ فَيْضِهِ بِأَعْظَمِ الأَوَانِي.
تحدَّثَ المؤلفُ في هذا الكتابِ أولًا عن ترجمةِ مؤلفِ كتابِ جواهرِ المعاني العارف بالله البركةِ سيدي الحاجِّ علي حرازِمَ برادةَ الفاسي، فاستَعْرَضَ بعْضًا مِنْ مراحِلِ حياتِهِ، ولقائِهِ بسيدِنَا الشيخِ رضي اللهُ تعالى عنه، وتَتَلْمُذِهِ علَى يدِهِ، وهَيَمَانِهِ التامِّ في محبَّتِهِ، ثم سَاقَ إجازَاتِهِ لَهُ في طريقتِهِ الأحمديةِ التجانيَةِ مِنْ جهةٍ، وفي كتابِهِ جواهرِ المعاني من جهةٍ ثانيةٍ، وتحدَّثَ عَنِ المكانةِ العظيمَةِ التي كانَتْ له لدى سيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه، ثُمَّ تطرَّقَ بعْدَ ذلك للتعريفِ ببَعْضِ مؤلفَاتِهِ، فتَحَدَّثَ عَنْ شرْحِهِ لهمزِيَّةِ البوصيري، والذي جُلُّهُ مِنْ إملَاءِ سيدِنَا الشيخِ رضي الله تعالى عنه عَلَيْهِ، وهُوَ المعَنْوَنُ بـ الإرشاداتِ الربانيةِ، بالفتوحاتِ الإلاهيةِ، مِنْ فيضِ الحضرةِ الأحمديةِ التجانية.
ثم تحدَّثَ بعدَ ذلك عن رسالتِهِ المُسَمَّاةِ بـ رسالةِ الفضلِ والامتنان، إلى كافةِ الأحبابِ والإخوان، والتي فرَغَ من كتابتِهَا عام 1208هـ، أَيْ قبْلَ شرُوعِهِ في كتابِ جواهرِ المعاني بمدَّةٍ غيْرِ قصيرَةٍ، وقَدْ ساقَ العلامةُ سيدي أحمدُ سكيرج هذه الرسالةَ عن آخِرِهَا في الجزْءِ الرابعِ من كتابه رفعِ النقاب،
وتحدَّثَ بعد ذلك أيضًا عَنْ كتابِهِ المعرُوفِ بالمشاهدِ، والمعَنْوَنِ بـ الكنْزِ المطَلْسَمْ، في حقيقَةِ سِرِّ الإسمِ الأعظَمْ، وهُوَ كتابٌ عجيبٌ وغريبٌ، قال فيه العلامة سيدي أحمدُ سكيرج
يَكَادُ سَامِعُهُ يَحَارُ مِنْ عَجَبٍ * وَلاَ عَجِيبَ إِذَا مَا صَارَ حَيْرَانَا
مَا كَانَ يَخْطُرُ بِالبَالِ الأُلَى عَقَلُوا * وُجُودُ مَا لَهُمُ أَبَانَ تِبْيَانَا
ثُمَّ تحدَّثَ عن الكناشِ المكتومِ، ليتطَرَّقَ بعد ذلك للحديثِ عن كتابِ جواهرِ المعاني، وما ادَّعَاهُ بعْضُ المُبْغضينَ على أَنَّهُ مُنْتَحَلٌ مِنْ كتابِ المقصدِ الأحمَدْ، في التعريفِ بابنِ عبدِ الله أحمدْ، لمؤلفِهِ العلامة محمدٍ بنِ عبدِ السلام القادري، فَفَنَّدَ هذا الإدعاءَ بقُوَّةٍ، بالدليلِ والبرهانِ، وتَوَسَّعَ في الكلامِ حولَ هذا الموضوعِ
عمومًا فالكتابُ جديرٌ بالمطالعةِ لِمَا يحْتَوِيهِ مِنْ معلوماتٍ كثيرةٍ حوْلَ الخليفةِ المعظَّمِ سيدي الحاجِّ عليٍّ حرازمَ برادَةَ الفاسي، ولا تُوجَدُ هذِهِ المعلوماتُ إلا فِيهِ، وقد قُمْنَا بتحقيقِهِ وطباعتِهِ ونشره منْذُ أكثَرِ من ثَمَانِ سنواتٍ، وهو الآن في مُتَنَاوَلِ الإخوانِ ولله الحمد، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته